تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
سبحانه رفع الجناح عن المطلقين ما لم يقع أحد الأمرين ، أي مدة انتفاء ذلك الأحد ، ولا ينتفي الأحد المبهم إلا بانتفاء الأمرين معا ، فإن وجد المسيس وجب المسمى أو مهر المثل ، وإن وجد الفرض وجب نصفه مع عدم المسيس ، وكل واحد منها جناح أي المسمى أو مهر المثل أو نصفه . واعلم أن المطلقات أربع : مطلقة مدخول بها مفروض لها وهي التي تقدم ذكرها قبل هذه الآية وفيها نهي الأزواج عن أن يأخذوا مما آتوهن شيئا وأن عدتهن ثلاثة قروء . ومطلقة غير مفروض لها ولا مدخول بها ، وهي المذكورة هنا فلا مهر لها بل المتعة ، وبين في سورة الأحزاب أن غير المدخول بها إذا طلقت فلا عدة عليها . ومطلقة مفروض لها غير مدخول بها وهي المذكورة بقوله سبحانه :
وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً
[ البقرة : 237 ] . ومطلقة مدخول بها غير مفروض لها وهي المذكورة في قوله تعالى :
فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
[ النساء : 24 ] والمراد بالفريضة هنا تسمية المهر ، وفيها وجهان أظهرهما أنها مفعول به والتقدير شيئا مفروضا ، والثاني أن تكون منصوبة على المصدر بمعنى فرضا ، واستجود أبو البقاء الوجه الأول .
وَمَتِّعُوهُنَّ
أي أعطوهن شيئا يكون متاعا لهن ، وظاهر الأمر الوجوب ، وبه قال علي وابن عمر والحسن البصري وسعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وقتادة والضحاك . ومن أدلة الوجوب قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا
[ الأحزاب : 49 ] . وقال مالك وأبو عبيد والقاضي شريح وغيرهم : إن المتعة للمطلقة المذكورة مندوبة لا واجبة لقوله تعالى :
حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ
ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين ، ويجاب عنه بأن ذلك لا ينافي الوجوب بل هو تأكيد له كما في قوله في الآية الأخرى
حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ
[ البقرة : 180 ] أي أن الوفاء بذلك والقيام به شأن أهل التقوى ، وكل مسلم يجب عليه أن يتقي اللّه سبحانه . وقد وقع الخلاف أيضا هل المتعة مشروعة لغير هذه المطلقة قبل المسيس والفرض أم ليست بمشروعة إلا لها فقط ، فقيل : إنها مشروعة لكل مطلقة ، وإليه ذهب ابن عباس وابن عمر وعطاء وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وأبو العالية والحسن البصري والشافعي في أحد قوليه وأحمد وإسحاق ، ولكنهم اختلفوا هل هي واجبة في غير المطلقة قبل البناء والفرض أم مندوبة فقط .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 341 | صديق الحسيني القنوجي البخاري