تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
ولما لم يكن بعد الطلقة الثانية إلا أحد أمرين إما إيقاع الثالثة التي بها تبين الزوجة ، أو الإمساك لها واستدامة نكاحها ، وعدم إيقاع الثالثة عليها ؛ قال سبحانه :
فَإِمْساكٌ
أي بعد الرجعة لمن طلقها زوجها طلقتين
بِمَعْرُوفٍ
أي بما هو معروف عند الناس من حسن العشرة وحقوق النكاح
أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ
أي بإيقاع طلقة ثالثة من دون ضرار لها . وقيل المراد إمساك بمعروف أي برجعة بعد الطلقة الثانية أو تسريح بإحسان أي بترك الرجعة بعد الثانية حتى تنقضي عدتها ، والأول أظهر . قال أبو عمرو : أجمع العلماء على أن التسريح هي الطلقة الثالثة بعد الطلقتين وإياها عنى بقوله :
فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ
[ البقرة : 230 ] . وقد اختلف أهل العلم في إرسال الثلاث دفعة واحدة هل تقع ثلاث أو واحدة فقط فذهب إلى الأول الجمهور ، وذهب إلى الثاني من عداهم وهو الحق ، وقد قرره الشوكاني في مؤلفاته تقريرا بالغا ، وأفرده برسالة مستقلة وكذا الحافظ ابن القيم في إغاثة اللهفان واعلام الموقعين وقررته في شرحي على بلوغ المرام .
وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً
الخطاب للأزواج أي لا يحل لهم أن يأخذوا في مقابلة الطلاق مما دفعوه إلى نسائهم من المهر شيئا على وجه المضارة لهن ، وتنكير شيء للتحقير أي شيئا نزرا فضلا عن الكثير ، وخص ما دفعوه إليهن بعدم حل الأخذ منه مع كونه لا يحل للأزواج أن يأخذوا من أموالهن التي يملكنها من غير المهر ، لكون ذلك هو الذي يتعلق به نفس الزوج ويتطلع لأخذه دون ما عداه مما هو في ملكها . على أنه إذا كان أخذ ما دفعه إليها في مقابلة البضع عند خروجه عن ملكه لا يحل له ، كان ما عداه ممنوعا منه بالأولى . وقيل الخطاب للأئمة والحكام ليطابق قوله :
فَإِنْ خِفْتُمْ
فإن الخطاب فيه للأئمة والحكام ، وعلى هذا يكون إسناد الأخذ إليهم لكونهم الآمرين بذلك والأول أولى لقوله :
مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ
فإن إسناده إلى غير الأزواج بعيد جدا لأن إيتاء الأزواج لم يكن عن أمرهم ، وقيل : إن الثاني أولى لئلا يشوش النظم .
إِلَّا أَنْ يَخافا
أي يعلم الزوجان من أنفسهما ، فيه التفات عن الخطاب إلى الغيبة
أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ
أي تخاف المرأة أن تعصى اللّه في أمور زوجها ، ويخاف الزوج أنه إذا لم تطعه أن يعتدي عليها . وقرأ حمزة يخافا بضم الياء أي إلا أن يعلم من حالهما ، والفاعل محذوف وهو الأئمة والولاة والحكام والقضاة ، واختاره أبو عبيد قال لقوله .
فَإِنْ خِفْتُمْ
فجعل الخوف لغير الزوجين ، وقد احتج لذلك من جعل الخلع إلى