تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه لا يقبل إلا طيبا وأن اللّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال :
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
[ المؤمنون : 51 ] وقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ
ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له » « 1 » وقيل الطيب المستلذ من الطعام فلعل قوما تنزهوا عن أكل المستلذ من الطعام فأباح اللّه لهم ذلك .
وَاشْكُرُوا لِلَّهِ
على ما رزقكم من نعمة أحل لكم ، وفيه التفات من ضمير المتكلم إلى الغيبة إذ لو جرى على الأسلوب الأول لقال واشكرونا ، والأمر فيه للوجوب فقط
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
أي تخصونه بالعبادة وتقرون بأن إلهكم لا غيره كما يفيده تقديم المفعول ، وقيل إن كنتم عارفين باللّه وبنعمته فاشكروه عليها ، والأول أولى .
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ
لما أمرنا اللّه تعالى في الآية التي تقدمت بأكل الطيبات التي هي الحلالات ، بين في هذه الآية أنواعا من المحرمات فقال :
إِنَّما
وهي كلمة موضوعة للحصر تثبت ما تناوله الخطاب وتنفي ما عداه ، وقد حصرت ههنا التحريم في الأمور المذكورة بعدها أي ما حرم عليكم إلا الميتة وهي كل ما فارقه الروح من غير ذكاة . وقد خصص هذا العموم بمثل حديث « أحل لنا ميتتان ودمان ، فأما الميتتان فالجراد والحوت ، وأما الدمان فالطحال والكبد » « 2 » أخرجه أحمد وابن ماجة والدارقطني والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر ، ومثل حديث جابر في العنبر الثابت في الصحيحين مع قوله تعالى :
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ
فالمراد بالميتة هنا ميتة البر لا ميتة البحر . وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز أكل جميع حيوانات البحر حيها وميتها ، وقال بعض أهل العلم أنه يحرم من حيوانات البحر ما يحرم شبهه في البر ، وتوقف ابن حبيب في خنزير الماء ، قال ابن القاسم : أنا أتقيه ولا أراه حراما ، والدم هو الجاري السائل وكانت العرب تجعل الدم في المصارين ثم تشويه وتأكله ، فحرمه اللّه تعالى . وقد اتفق العلماء على أن الدم حرام ، وفي الآية الأخرى
أَوْ دَماً مَسْفُوحاً
[ الأنعام : 145 ] فيحمل المطلق على المقيد لأن ما خلط باللحم غير محرم ، قال
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الزكاة حديث 64 ، والترمذي في تفسير سورة 2 ، باب 36 . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة في الأطعمة باب 31 ، وأحمد في المسند 2 / 97 .