ثمّ لمّا أمر سبحانه في آخر السورة السابقة بتذكير الخائفين من الوعيد ، وذكر هنا حال الخائفين من عذابه ، أمره بوعظهم وتذكيرهم بقوله تعالى :
فَذَكِّرْ
يا محمد وعظ الخائفين من اللّه بآيات الكتاب الكريم ، ولا تعتن بما يقوله الكفار من أنّ محمدا كاهن أو مجنون
فَما أَنْتَ
بحمد اللّه و
بِنِعْمَةِ رَبِّكَ
التي أنعمها عليك من كمال العقل ومنصب الرسالة
بِكاهِنٍ
ومخبر بالغيب بتوسّط الجنّ
وَلا مَجْنُونٍ
وفاسد العقل .
ثمّ وبّخهم سبحانه على بعض أقاويلهم الشنيعة تعبجّبا منها بقوله :
أَمْ يَقُولُونَ
أولئك الطّغاة إذا سمعوا القرآن : إنّ محمدا
شاعِرٌ
وملفّق الكلمات الموزونة المزينة المموّهة « 1 » لطلب المال ، ولا نعارضه خوفا من أن يغلبنا بقوة شعره ، أو يهجونا ، بل
نَتَرَبَّصُ
وننتظر
بِهِ
في خلاصنا من شرّه
رَيْبَ الْمَنُونِ
وحوادث الدهر ، أو موته وهلاكه
قُلْ
يا محمد ، لهؤلاء المعاندين :
تَرَبَّصُوا
وانتظروا هلاكي بحوادث الدهر
فَإِنِّي مَعَكُمْ
أيضا متربص
مِنَ
جملة
الْمُتَرَبِّصِينَ
لهلاككم بالعذاب النازل عليكم من اللّه أو بأيدينا .
ثمّ وبّخهم سبحانه على ضعف عقولهم بقوله :
أَمْ تَأْمُرُهُمْ
وتبعثهم
أَحْلامُهُمْ
وعقولهم
بِهذا
القول الشنيع ، وإلى التكلّم بالمتناقضات ، حيث إنّ لازم الكهانة الفطنة والعقل والدقّة في الأمور ، ولازم الجنون عدم الفهم واختلال الفكر ، ولازم الشاعر القدرة على الكلام الموزون المتّسق المخيّل بقوة الفكر ، ولا يمكن اجتماع الثلاثة في شخص واحد ، لا واللّه لا يجوّز العقل التكلّم بها
أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ
وهل هم إلّا طائفة معاندون للّه ولكلّ حقّ وصواب ، يبعثهم عنادهم إلى التكلّم بالخرافات التي لا تصدر من ذي شعور ، والمكابرة بالتفوّه بكلّ كلام باطل لإطفاء الحقّ مع ظهوره .
[ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 33 إلى 38 ]
أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ ( 33 ) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ ( 34 ) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ ( 35 ) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ ( 36 ) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ( 37 )
أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 38 )
هامش
( 1 ) . في النسخة : المموّهمة .