ثمّ وبّخهم سبحانه على الطعن على القرآن الذي فيه وجوه من الاعجاز بقوله :
أَمْ يَقُولُونَ :
إنّ القرآن الذي جاء به جبرئيل مما
تَقَوَّلَهُ
محمد ، واختلقه من قبل نفسه ، وينسبه كذبا إلى اللّه ؟ لا واللّه ليس كذلك ، ولا يعتقدون ذلك
بَلْ
هم قوم ختم اللّه على قلوبهم ، فهم
لا يُؤْمِنُونَ
بآية من الآيات ، ولا يصدّقون معجزة من المعجزات ، فإن كان القرآن ممّا تقوّله محمد كما يقولون الكفّار
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ
وكلام مركّب
مِثْلِهِ
في الفصاحة والبلاغة وحسن الأسلوب ، والاشتمال على العلوم والمعارف ، من عند أنفسهم
إِنْ كانُوا صادِقِينَ
في ما يقولون من أنّه كلام البشر ، مع أنّهم مهرة الكلام وفرسان ميدان الفصاحة والبلاغة ، وطول ممارستهم الخطب والأشعار ، وكثرة مزاولتهم لأساليب النّظم والنثر ، وشدّة اهتمامهم بحفظ الوقائع والأيام ولا يمكنهم الإتيان بسورة منه فضلا عن جميعه .
ثمّ إنّه تعالى بعد توبيخ المشركين على الطعن على رسوله وكتابه ، وبّخهم على إنكار اللّه تعالى بقوله :
أَمْ خُلِقُوا
قيل : إنّ التقدير أما خلقوا أصلا « 1 » ، أم خلقوا وقدّروا ووجدوا
مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ
يكون خالقهم ومقدّرا وموجدا لهم
أَمْ
لهم موجد وخالق ، ولكن
هُمُ
أنفسهم
الْخالِقُونَ
لأنفسهم ؟ وكل الصور الثلاث باطل بالبداهة ، لتحقّق خلقهم ، وامتناع وجود المخلوق بغير خالق ، وامتناع كون أنفسهم خالقا لهم .
وقيل : إنّ المراد من قوله :
خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ
من غير حكمة ، وعبثا لا لشيء « 2 » . وقيل : يعني خلقوا من غير أب وأمّ « 3 » .
وقيل : في وجه ارتباط الآية : إنّه لمّا كذّبوا النبي صلّى اللّه عليه وآله ونسبوه إلى الكهانة والجنون والشعر ، ذكر الدليل على صدقه « 4 » ، حيث إنّه يدّعي التوحيد والرسالة والحشر ، ودليل كلّ منها ظاهر في أنفسهم ، أمّا دلالة وجودهم على التوحيد فظاهر ، وأما دلالته على الحشر فلأنّ الخلق الأوّل دليل على الخلق الثاني ، والمراد : أما خلقوا أصلا ، فينكرون التوحيد لانتفاء الايجاد ، وينكرون الحشر لانتفاء الخلق الأول ، أم يقولون : إنّهم ما خلقوا لشيء فلا إعادة ، أو ما خلقوا من تراب وماء أو من نطفة حتى يخفى عليهم أنّ لهم خالقا ويقولون : إنّ خلقنا كان اتّفاقيا ، أم هم الخالقون للموجودات ، فيعجزون بكثرة العمل عن الخلق الثاني مرّة ، كما أن الإعياء « 5 » دأب الانسان ؟
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 28 : 260 .
( 2 ) . تفسير الرازي 28 : 260 .
( 3 ) . تفسير الرازي 28 : 260 ، تفسير روح البيان 9 : 202 .
( 4 ) . تفسير الرازي 28 : 259 .
( 5 ) . في النسخة الأعباء .