وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ
عظيم ، كان لهم من أصحاب الفيل ، أو من خوف التخطّف في بلدهم وأسفارهم ، فانّ إهلاك أصحاب الفيل صار سببا لهيبتهم في قلوب الناس وفضل احترام لهم بحيث لم يكن يجترى عليهم أحد ، فانتظم الأمر لهم في رحلتيهم ، بل في جميع أسفارهم وأحوالهم .
عن القمي رحمه اللّه قال : نزلت في قريش ، لأنّه كان معاشهم من الرحلتين : رحلة في الشتاء إلى اليمن ، ورحلة في الصيف إلى الشام ، وكانوا يحملونه الأدمّ واللباس « 1 » ، وما يقع من ناحية البحر من الفلفل وغيره ، فيشترون بالشام الثياب والدّرمك « 2 » والحبوب ، وكانوا يأتلفون في طريقهم ، ويثبتون في الخروج في كلّ خرجة رئيسا من رؤساء قريش ، وكان معاشهم من ذلك ، فلمّا بعث اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وآله استغنوا من ذلك لأنّ الناس وفدوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وحجّوا إلى البيت ، فقال اللّه تعالى :
فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ
فلا يحتاجون أن يذهبوا إلى الشام
وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ
يعني خوف الطريق « 3 » .
عن امّ هانئ بنت أبي طالب قالت : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فضّل قريشا بسبع خصال لم يعطها أحد قبلهم ولا يعطاها أحد بعدهم : النبوة فيهم ، والخلافة فيهم ، والحجابة للبيت فيهم ، والسّقاية فيهم ، ونصروا على أصحاب الفيل ، وعبدوا اللّه سبع سنين « 4 » - وفي رواية : عشر سنين - لم يعبده أحد غيرهم ، ونزلت فيهم سورة في القرآن لم يذكر فيها أحدا غيرهم
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ
« 5 » .
أقول : الظاهر أنّ المراد من قولها : عبدوا اللّه سبع سنين ، عبادتهم في بدو ظهور الرسالة ، فانّ المؤمنين بالرسول صلّى اللّه عليه وآله في تلك المدّة كلّهم كانوا من قريش .
عن الصادق عليه السّلام : « من أكثر قراءة
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ
بعثه اللّه يوم القيامة على مركب من مراكب الجنّة حتى يقعد على موائد النور يوم القيامة » « 6 » .
الحمد للّه على إتمام تفسيرها .
هامش
( 1 ) . في النسخة : واللّبّ .
( 2 ) . الدّرمك : الدقيق الأبيض .
( 3 ) . تفسير القمي 2 : 444 ، تفسير الصافي 5 : 379 .
( 4 و 5 ) . تفسير روح البيان 10 : 521 .
( 6 ) . ثواب الأعمال : 126 ، مجمع البيان 10 : 820 ، تفسير الصافي 5 : 379 .