تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 574

مساهمون:

ص٥٧٤
ثمّ وصف سبحانه المذموم بالويل بقوله :
الَّذِي جَمَعَ مالًا
كثيرا لنفسه ، أو حقيرا غير قابل لأن يفتخر به
وَعَدَّدَهُ
وذخره لحوادث الدهر ، أو أحصاه مرّة بعد أخرى لالتذاذ نفسه بعدّه ، أو كثرته وافتخر به . وقيل : يعني جمع مالا وعدّد قومه الذين ينصرونه « 1 » ، وإنّما ذكر صفة جمعه المال لكونه سبب همزه ولمزه ، وهو من جهله وجمعه
يَحْسَبُ
ويظنّ
أَنَّ مالَهُ
الذي جمعه
أَخْلَدَهُ
في الدنيا ، وآمنه من الموت . وقيل : إنّ المعنى : اعتقد أنّه إن انتقص ماله يموت ، فيحفظه من التلف والنّقصان ليبقى حيّا « 2 » . وقيل : فيه تعريض بالعمل الصالح ، فانّه هو الذي يخلّد صاحبه في الدنيا بالذكر الجميل ، وفي الآخرة في النعيم المقيم « 3 » .
كَلَّا
ليس الآخرة كما يظنّ ، ولا ينبغي له هذا الحسبان ، أو المعنى : حقّا واللّه
لَيُنْبَذَنَّ
ذلك الذي جمع المال ، وليطرحنّ ذلك الظانّ للخلود
فِي الْحُطَمَةِ
كالحصا الذي يطرح في البئر .

[ سورة الهمزة ( 104 ) : الآيات 5 إلى 9 ]

وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ ( 5 ) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ( 6 ) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ( 7 ) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ( 8 ) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ( 9 ) ثمّ بالغ سبحانه في تهويل الحطمة بقوله :
وَما أَدْراكَ
يا محمد ، وأيّ شيء أعلمك
مَا الْحُطَمَةُ
وأيّ شيء هي ؟ هي
نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ
والمشتعلة بأمره وقدرته وغضبه ، لا يطفئها شيء . ولا يشبهها شيء من نيران الدنيا . في الحديث : « أوقد عليها ألف سنة حتى احمرّت ، ثمّ ألف سنة حتّى ابيضّت ، ثمّ ألف سنة حتى اسودّت ، فهي سوداء مظلمة » « 4 » . وعن أمير المؤمنين عليه السّلام : « عجبا ممّن يعصي اللّه على وجه الأرض والنار تسعر من تحته ! » « 5 » .
الَّتِي تَطَّلِعُ
وتعلو
عَلَى الْأَفْئِدَةِ
وأوساط القلوب وتغشاها . حاصل الآية واللّه أعلم أنّ نار جهنّم تحطم وتكسر العظام ، وتأكل اللحوم ، وتدخل في أجواف العصاة وأهل الشهوات ، وتقبل إلى صدورهم ، وتستولى على أفئدتهم ، وتخصيص الأفئدة بالذكر لما أن الفؤاد ألطف ما في الجسد ، وأشدّ تألّما بأدنى الأذى ، أو لأنّه محلّ العقائد الفاسدة والضمائر الخبيثة ومنشأ الأعمال السيئة .
هامش
( 1 - 2 - 3 ) . تفسير الرازي 32 : 93 . ( 4 ) . تفسير الرازي 32 : 94 ، تفسير روح البيان 10 : 509 . ( 5 ) . تفسير الرازي 3 : 94 ، تفسير روح البيان 10 : 509 .