تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
كذلك المعذرة تمنع قبح الذنب « 1 » . وقيل : يعني ولو جاء بأعذاره ، بأن يقول : حملني على العصيان الضرورة وشدّة الحاجة ، أو الجهل بالحكم ، أو خوف ذهاب الجاه ونحوها من الأعذار ، فانّها لا تنفعه ، لعلمه ، بأنّه كاذب فيها ، أو صادق ولا تكون عذرا فيه « 2 » . عن الصادق عليه السّلام قال : « ما يصنع أحدكم أن يظهر حسنا ، ويستر سيئا ؟ أليس إذا رجع إلى نفسه يعلم أنّه ليس كذلك ، واللّه عزّ وجلّ يقول :
بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ
إنّ السريرة إذا صلحت قويت العلانية » « 3 » . وعنه عليه السّلام أنّه تلا هذه الآية فقال : « ما يصنع الانسان أن يعتذر إلى الناس بخلاف ما يعلم اللّه منه ؟ إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كان يقول : من أسرّ سريرة ألبسه اللّه رداءها إن خيرا فخير ، وإن شرّا فشرّ » « 4 » .

[ سورة القيامة ( 75 ) : الآيات 16 إلى 21 ]

لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ( 19 ) كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ ( 20 ) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ ( 21 ) ثمّ لمّا ذكر سبحانه أنّ علم الانسان يوم القيامة بما صدر منه في الدنيا كاف لا يحتاج إلى إخبار الغير به في ذلك اليوم ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وآله يستعجل في قراءة ما يقرؤه عليه جبرئيل من القرآن ليحفظه ، بيّن سبحانه أنّك يا محمد لا تحتاج إلى التعجيل في القراءة في حفظك القرآن بقوله :
لا تُحَرِّكْ
بالقرآن ولا تنطق
بِهِ لِسانَكَ
حال قراءة جبرئيل عليه آياته
لِتَعْجَلَ بِهِ
وتسارع إلى أخذه وحفظه مخافة أن ينفلت ، فكما أنّ علينا جمع العظام النّخرة
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
في صدرك بحيث لا ينفلت منه شيء من آياته وكلماته وحروفه ، ولا يخفى عليك شيء من معانيه
فَإِذا قَرَأْناهُ
عليك بلسان جبرئيل وتمّت قراءته وتلاوته وسكت
فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ
وتلاوته عليك ، واتله كما تلي ، ولا تكلّف نفسك بالقراءة مقارنة لقراءته . أقول : فظهر أنّه ليس في الآية نهي تحريم حتى يرد إشكال ، بل هو إرشاد إلى الأسهل ورفع للكلفة عنه .
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا
في كلّ ما أشكل عليك فهمه
بَيانَهُ
وتوضيحه ، فلا تعجل في السؤال عن مشكلاته بين قراءة جبرئيل عليك ، فظهر من الآية المباركة أنّه صلّى اللّه عليه وآله كان يقرأ مع قراءة جبرئيل ويسأل في أغنائها عن مشكلاته ومعانيه ، لحرصه على العلم ، فارشد إلى تركهما .
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 30 : 222 ، وفيه : المعذرة عقوبة الذنب . ( 2 ) . تفسير روح البيان 10 : 247 . ( 3 ) . الكافي 2 : 223 / 11 ، مجمع البيان 10 : 598 ، تفسير الصافي 5 : 255 . ( 4 ) . الكافي 2 : 223 / 6 ، مجمع البيان 10 : 599 ، تفسير الصافي 5 : 255 .