[ البحر ، فهناك ] نار اللّه الكبرى « 1 » ليكون حسرة على من عبدهما ، وإنّما ذكّر الفعل لأنّ الكلام في تأويل جمع بينهما أو جمع النوران ، أو لتقدّم الفعل .
فعند ذلك
يَقُولُ الْإِنْسانُ
المنكر للبعث من كثرة التحيّر وشدّة الوحشة
يَوْمَئِذٍ
ووقت مشاهدة الأهوال : إياسا عن إمكان الفرار :
أَيْنَ الْمَفَرُّ
وهل إلى موضع يحفظني سبيل ؟
[ سورة القيامة ( 75 ) : الآيات 11 إلى 15 ]
كَلاَّ لا وَزَرَ ( 11 ) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ ( 12 ) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ ( 13 ) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ( 14 ) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ ( 15 )
ثمّ ردعهم سبحانه عن الطمع في الفرار بقوله :
كَلَّا
وحاشا أن تجدوا مفرّا
لا وَزَرَ
ولا ملجأ ولا معاد لأحد من العذاب ، بل
إِلى رَبِّكَ
ومشيئته وحكمه
يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ
والمرجع لا إلى غيره . وقيل : يعني إلى مشيئة ربّك مستقرّهم ومنزلهم من الجنّة والنار « 2 » .
يُنَبَّؤُا
ويخبر
الْإِنْسانُ
المكلّف في الدنيا
يَوْمَئِذٍ
وفي ذلك الوقت
بِما قَدَّمَ
من عمل خير وصدقة مال وعبادة خالصة
وَ
ما
أَخَّرَ
وترك ولم يعمل . وقيل : يعني ممّا قدّم من أعماله مطلقا خيرا كان أو شرا ، أو بما أخّر من زمان حياته من سنّة حسنة أو سيئة « 3 » .
عن الباقر عليه السّلام : « بما قدّم من خير وشرّ ، وما أخّر من سنّة يستنّ بها من بعده ، فإن كان شرّا كان عليه وزر من عمل بها ، ولم ينقص من وزرهم شيئا ، وإن كان خيرا كان له مثل أجورهم ، ولا ينقص من أجورهم شيئا » « 4 » .
وقيل : إنّ معنى ( ما
أَخَّرَ )
ما خلّفه من المال ، أو أوقفه ، أو أوصى به « 5 » .
بَلِ الْإِنْسانُ
لا يحتاج إلى أن ينبّأه بأعماله ويخبره غيره بها ، لأنّه
عَلى
جميع أعمال
نَفْسِهِ
في الخلوات والجلوات صغيرها وكبيرها حجّة
بَصِيرَةٌ
وبيّنة واضحة ، أو المراد ذو بصيرة كاملة ، لحضور جميع أعماله في نظره بصورتها البرزخية ، وشهادة جوارحه بها ، وتقبل شهادتها عليه
وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ
وأرخى ستوره وأراد إخفاء أعماله .
قيل : إن السّتور استعمل مجازا في الأعذار بعلامة المشابهة ، فكما أنّ السّتور تمنع رؤية المحتجب ،
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 30 : 220 .
( 2 ) . تفسير الرازي 30 : 221 ، تفسير أبي السعود 9 : 66 ، تفسير روح البيان 10 : 246 .
( 3 ) . تفسير أبي السعود 9 : 66 ، تفسير روح البيان 10 : 247 .
( 4 ) . تفسير القمي 2 : 397 ، تفسير الصافي 5 : 255 .
( 5 ) . تفسير أبي السعود 9 : 66 ، تفسير روح البيان 10 : 247 .