[ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 46 إلى 49 ]
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ( 46 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 47 ) ذَواتا أَفْنانٍ ( 48 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 49 )
ثمّ لمّا حذّر اللّه العصاة بذكر سوء عاقبتهم وعذاب عصيانهم ، زجرا لهم عمّا هم عليه ، بيّن سبحانه حسن عاقبة المؤمنين الخائفين من عصيانه ، ترغيبا لهم إلى طاعته بقوله :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ
وحين الحضور في موقف فصل قضائه في القيامة ، وظهور آثار قدرته وسطوته وسلطانه ، وهتك السور ، وكشف حقائق الأمور ، وقيام الأشهاد ، فاجتنب لخوفه ذلك مخالفته وعصيانه في الدنيا
جَنَّتانِ
قيل : جنة لتركه المعاصي والشهوات ، وجنّة لفعل الطاعات « 1 » . وقيل : جنّة لإيمانه ، وجنّة لعمله « 2 » ، وأمّا الجنتان فجنّة عدن ، وجنّة نعيم « 3 » . وقيل : جنة داخل القصر ، وجنّة خارجة « 4 » . وقيل : جنّة لسكونته ، وجنّة لسكونة أزواجه وخدمه « 5 » . وقيل : جنّة من ذهب ، وجنّة من فضة « 6 » ، يطوف بينهما كما يطوف المجرم بين جهنّم وحميم ، وإنّما لم يقل يطوف بينهما الخائفون ، لوضوحه ولإظهار أنّهم ملوك يطاف عليهم احتراما لهم وإكراما في حقّهم ، ولا يطاف بهم .
عن الصادق عليه السّلام في هذه الآية قال : « من علم أنّ اللّه يراه ويسمع ما يقول ويعلم ما يعمله من خير أو شر ، فحجزه ذلك عن القبيح من الأعمال ، فذلك الذي خاف مقام ربّه [ ونهى النفس عن الهوى ] » « 7 » .
وعن النبي صلّى اللّه عليه وآله : « من عرضت له فاحشة أو شهوة فاجتنبها من مخافة اللّه ، حرّم اللّه عليه النار ، وآمنه من الفزع الأكبر ، وأنجز له ما وعده في كتابه في قوله تعالى :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ »
« 8 » .
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما
من نعم الدنيا والآخرة
تُكَذِّبانِ .
ثمّ وصف سبحانه الجنّتين بقوله :
ذَواتا أَفْنانٍ
وصاحبتا أغصان منشعبة من الشجرة ، عليها أوراق عجيبة ، وأثمار طيبة من غير سوق غلاظ ، مانعة عن التردّد فيها كيف شاء ، كذا قيل « 9 » . وقيل :
يعني صاحبتا أنواع من الأشجار المثمرة
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما
من الآلاء الدنيوية والأخروية
تُكَذِّبانِ .
[ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 52 إلى 55 ]
فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ ( 52 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 53 ) مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ ( 54 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 55 )
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 29 : 123 ، تفسير روح البيان 9 : 304 .
( 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 304 ، وفيه : لعقيدته ، بدل لإيمانه .
( 3 - 4 - 5 - 6 ) . مجمع البيان 9 : 314 .
( 7 ) . الكافي 2 : 57 / 10 ، تفسير الصافي 5 : 113 .
( 8 ) . من لا يحضره الفقيه 4 : 7 / 1 ، تفسير الصافي 5 : 113 .
( 9 ) . تفسير الرازي 29 : 124 .