وقيل : إنّ الضمائر كلّها راجعة إلى الرسول صلّى اللّه عليه وآله وليس بشيء « 1 » .
ثمّ لمّا أعلن سبحانه برسالة محمد صلّى اللّه عليه وآله بيّن أنّ يده بمنزلة يده ، وبيعته بمنزلة بيعته بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ
ويعاهدون معك يا محمد على اتّباعك وطاعتك ، وتفدية أنفسهم دونك
إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ
لأنّك نائبة ومظهره ، وقصدك من أخذ بيعتهم أخذ بيعتهم للّه على طاعته والجهاد في سبيله ، فيدك حين البيعة فوق أيديهم ، كأنّها
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
وفيه غاية التعظيم ليد الرسول .
عن ابن عباس : يعني يد اللّه بالثواب ، وما وعدهم على بيعتهم من الجزاء ، فوق أيديهم بالتصديق والوفاء « 2 » .
وقيل : يعني قوّة اللّه في نصرة نبيه صلّى اللّه عليه وآله فوق نصرتهم إيّاه ، والمراد ثق بنصرة اللّه لا بنصرتهم وإن بايعوك « 3 » .
وقيل : يعني نعمة اللّه عليهم بنبيه صلّى اللّه عليه وآله فوق أيديهم بالطاعة بالمبايعة « 4 » .
وقيل : إنّه كناية عن حفظ اللّه تلك البيعة ، فانّ العرب كانوا إذا تصافقوا للبيع وضع ثالث يده على أيدي المتبايعين ، ويحفظ يديهما إلى أن يتمّ العقد لا يترك أحدهما ان يقبض يده إلى نفسه ويفارق صاحبه قبل اتمام البيع « 5 » .
ثمّ هدّد سبحانه ناقضين العهد والبيعة بقوله :
فَمَنْ نَكَثَ
البيعة ، ونقض عهده مع النبي صلّى اللّه عليه وآله ، وأعرض عن طاعته واتّباعه وفرض الجهاد معه
فَإِنَّما يَنْكُثُ
بيعته وينقض عهده ، وكان ضرره
عَلى نَفْسِهِ
لا يتخطّاه إلى غيره
وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ
من الطاعة وضرب السيوف بين يدي نبيّه صلّى اللّه عليه وآله حتى يظهره اللّه على عدوّه أو يقتلوا ، واستقام عليه وثبت
فَسَيُؤْتِيهِ
في الآخرة
أَجْراً عَظِيماً
وثوابا جزيلا لا يقادر قدره .
قيل : أبقى ضمّ هاء ( عليه ) توسّلا إلى تفخيم لام الجلالة « 6 » .
[ سورة الفتح ( 48 ) : آية 11 ]
سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ( 11 )
ثمّ لمّا ذكر سبحانه وجوب الثبات على بيعة النبي صلّى اللّه عليه وآله وحرمة ظنّ السوء باللّه تعالى ، ذكر نقض
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 9 : 18 .
( 2 ) . مجمع البيان 9 : 172 .
( 3 و 4 و 5 ) . تفسير روح البيان 9 : 20 .
( 6 ) . تفسير روح البيان 9 : 21 .