تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 622

مساهمون:

ص٦٢٢
ثمّ بيّن سبحانه غاية أخرى لإنزال السكينة في قلوب المؤمنين وازدياد إيمانهم بقوله :
وَيُعَذِّبَ
اللّه بسبب إنزال السّكينة في قلوبهم وازدياد إيمانهم وقوّتهم وكثرتهم
الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ
من أهل المدينة
وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ
من أهل مكة
الظَّانِّينَ بِاللَّهِ
في حقّ نبيّه صلّى اللّه عليه وآله والمؤمنين به
ظَنَّ السَّوْءِ
والحسبان القبيح الفاسد ، أو حسبان الأمر السوء والفاسد ، وهو ظنّهم وحسبانهم أنّ اللّه لا ينصر نبيّه صلّى اللّه عليه وآله والمؤمنين ، بما قدّمهم على المشركين ، حيث حسبوا أنه لا ينصرهم ، وأنّه لا يرجع أحد منهم إلى أهله أبدا ، ولذا تخلّف عنه المنافقون الذين هم أسوأ حالا من المشركين ، وأولى بالعذاب منهم ، ولذا قدّمهم على المشركين في الذكر . ثمّ أكذب اللّه ظنّهم ، وقلب ما يظنّونه بالرسول صلّى اللّه عليه وآله والمؤمنين عليهم بقوله :
عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ
في الدنيا ، وحائق بهم ما يكرهونه من الفساد والخذلان والحرمان عن جميع المطالب . وقيل : إنّه دعاء عليهم « 1 » ، كقوله :
قاتَلَهُمُ اللَّهُ . *
وَغَضِبَ اللَّهُ
في الدنيا والآخرة
عَلَيْهِمْ
أشدّ الغضب
وَلَعَنَهُمْ
وطردهم عن ساحة رحمته
وَأَعَدَّ
وهيّأ
لَهُمْ
في الآخرة
جَهَنَّمَ
يصلونها
وَساءَتْ
جهنّم
مَصِيراً
ومرجعا لهم ، وفي عطف اللعن وما بعده بالواو مع اقتضاء كون اللّعن مسبّبا عن الغضب ، وإعداد جهنّم لهم مسبّبا عن اللعن ، عطفهما بإلفاء إشعار باستقلال كلّ من الثلاثة في الوعيد .

[ سورة الفتح ( 48 ) : الآيات 7 إلى 8 ]

وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ( 7 ) إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 8 ) ثمّ إنه تعالى بعد بيان قدرته على نصرة الرسول صلّى اللّه عليه وآله بكون جنود السماوات والأرض له ، بيّن قدرته على تعذيب المنافقين والمشركين في الدنيا والآخرة بقوله :
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ .
قيل : إنّ المراد بالجنود في الآية الأولى جنود الرحمة ، ولذا وصف ذاته المقدّسة بالعلم باستحقاق النفوس الزكية ، بالحكمة البالغة ، والمراد منها في الآية جنود العذاب ، ولذا وصف ذاته بالعزّة والحكمة « 2 » .
وَكانَ اللَّهُ
أزلا وأبدا
عَزِيزاً
وقديرا على كلّ شيء و
حَكِيماً
في افعاله ، لا يعذّب أحدا إلّا باستحقاقه ، ولا يفعل شيئا إلّا على مقتضى الحكمة والصواب ، فانّ عادته تعالى توصيف ذاته
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 9 : 15 . ( 2 ) . تفسير أبي السعود 8 : 106 ، تفسير روح البيان 9 : 16 .