تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 615

مساهمون:

ص٦١٥
يعارضه على الجبال ، فلمّا كان في بعض الطريق حضرت صلاة الظهر ، فأذّن بلال ، فصلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بالناس ، فقال خالد بن الوليد ، لو حملنا عليهم وهم في الصلاة لأصبناهم ، فانّهم لا يقطعون صلاتهم ، ولكن تجبيء لهم صلاة أخرى أحب إليهم من ضياء أبصارهم ، فإذا دخلوا في الصلاة أغرنا عليهم ، فنزل جبرئيل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بصلاة الخوف . فلمّا كان في اليوم الثاني نزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بالحديبية ، وهي على طرف الحرم ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يستنفر الأعراب في طريقه معه ، فلم يتبعه أحد ، ويقولون : أيطمع محمد وأصحابه أن يدخلوا الحرم وقد غزتهم قريش في عقر ديارهم فقتلوهم ، إنّه لا يرجع محمد وأصحابه إلى المدينة أبدا . فلمّا نزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الحديبية ، خرجت قريش يحلفون باللات والعزّى لا يدعون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يدخل مكّة وفيهم عين تطرف ، فبعث إليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : أنّي لم آت للحرب ، وإنّما جئت لأقضي مناسكي ، وأنحر بدني ، واخلّي بينكم وبين لحماتها . فبعثوا عروة بن مسعود الثقفي ، وكان عاقلا لبيبا ، وهو الذي أنزل اللّه فيه :
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
فلمّا أقبلوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عظّم ذلك ، وقال : يا محمد ، تركت قومك وقد ضربوا الأبنية ، وأخرجوا العوذ المطافيل « 1 » ، يحلفون باللات والعزّى لا يدعوك تدخل مكّة وفيهم عين تطرف ، أفتريد أن تبير أهلك وقومك يا محمد ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : ما جئت للحرب ، وإنّما جئت لاقضي مناسكي ، وأنحر بدني ، وأخلّي بينهم وبين لحماتها . فقال عروة : واللّه ما رأيت أحدا صدّكما صددت . فرجع إلى قريش ، فأخبرهم ، فقالت قريش : واللّه لئن دخل محمد مكّة ، وتسامعت به العرب ، لنذلنّ ولتجترئنّ علينا العرب . فبعثوا حفص بن الأحنف وسهيل بن عمرو ، فلمّا نظر إليهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قال : ويح قريش ، قد نهكتهم الحرب ، ألا خلّوا بيني وبين العرب ، فإن أك صادقا فانّما أجر الملك إليهم مع النبوة ، وإن أك كاذبا كفتهم ذؤبان العرب ، لا يسألني اليوم امرؤ من قريش خطّة للّه فيها رضى « 2 » إلّا أجبتهم إليه . فلمّا وافوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله . قالوا : يا محمد ، ألا ترجع عامك هذا إلى أن ننظر إلى ما يصير أمرك وأمر العرب ، فانّ العرب تسامعت بمسيرك ، فإذا دخلت بلادنا وحرمنا استذلّتنا العرب واجترأت علينا ، ونخلي لك البيت في العام القابل في هذا الشهر ثلاثة أيام حتى تقضي نسكك وتنصرف عنّا .
هامش
( 1 ) . العوذ : الحديثة العهد بالنتاج من الإبل والخيل ، والمطافيل : ذوات الطفل . ( 2 ) . في المصدر ، وتفسير الصافي : سخط .