أنكروا عليه الصّلح ، واعتذروا وأظهروا الندامة على ما كان منهم ، وسألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أن يستغفر لهم ، فنزلت آية الرّضوان « 1 » .
قال جمع من المفسرين : إنّ المراد بالفتح هو فتح الحديبية « 2 » ، كما هو مدلول الروايتين السابقتين العامية والصادقية .
وعن ابن عباس : رموا المشركين حتى أدخلوهم ديارهم « 3 » . وعن الكلبي : ظهروا عليهم حتى سألوا الصّلح « 4 » .
وعن الشّعبي : أنّ السورة نزلت بالحديبية ، وأصاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في تلك العزوة ما لم يصب في غزوة ، حيث أصاب أن بويع بيعة الرّضوان ، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر ، وبلغ الهدي محلّه ، وظهرت الروم على فارس ، ففرح به المسلمون « 5 » .
وعن مجاهد : أنّه ما حصل له في تلك السنة من فتح خيبر « 6 » . وقيل : هو جميع الفتوحات التي حصلت له صلّى اللّه عليه وآله « 7 » .
وقيل : هو ما فتح من الاسلام والنبوة والدعوة بالحجّة والسيف ، ولا فتح أبين وأعظم منه ، وهو رأس الفتوح كافّة ، إذ لا فتح من فتوح الاسلام إلّا وهو شعبة من شعبه وفرع من فروعه « 8 » .
وعن قتادة : أنّه بمعنى الحكم والقضاء ، والمعنى أنّا قضينا لك أن تدخل مكّة من قابل « 9 » . والأظهر هو الأول ، وقد أيّد بوجوه تعدّ من وجوه النّظم :
منها : أنّ فتح مكّة كان فيه غنائم كثيرة اضعاف ما أنفقوا ، فكان مناسبا لما في آخر السورة السابقة
وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ
« 10 » لضياع تلك الغنائم الكثيرة عليه وحرمانه منها بسبب بخله عن الانفاق .
ومنها : أنّه تعالى قال في السورة السابقة :
فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ
« 11 » يعني لا تسألوا الصّلح ، بل اصبروا حتى يسأل المشركون منكم الصّلح والأمان ، كما كان في فتح مكّة حيث أنّ صناديد قريش جاءوا إلى المسلمين مؤمنين أو مستأمنين .
ومنها : أنه تعالى قال في السورة السابقة :
وَاللَّهُ مَعَكُمْ
وقال :
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ
ويكون فتح مكّة
هامش
( 1 ) . تفسير القمي 2 : 309 ، تفسير الصافي 5 : 33 .
( 2 ) . تفسير الرازي 28 : 77 .
( 3 و 4 ) . تفسير أبي السعود 8 : 103 .
( 5 ) . تفسير أبي السعود 8 : 104 .
( 6 ) . تفسير أبي السعود 8 : 103 .
( 7 ) . تفسير أبي السعود 8 : 104 .
( 8 ) . تفسير أبي السعود 8 : 104 .
( 9 ) . تفسير أبي السعود 8 : 104 .
( 10 ) . محمد صلّى اللّه عليه وآله : 47 / 38 .
( 11 ) . محمد صلّى اللّه عليه وآله : 47 / 35 .