يقول :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ »
« 1 » .
[ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 34 إلى 35 ]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ( 34 ) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ ( 35 )
ثم إنه تعالى بعد بيان بطلان أعمالهم الخيرية وعدم فائدتها لهم ، بين عدم العفو عن ذنوبهم بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا
وخرجوا من الدنيا
وَ
الحال أن
هُمْ كُفَّارٌ
حين موتهم
فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ
ذنوبهم التي اقترفوها في الدنيا ، كثيرة كانت أو صغيرة ، لعدم أهليتهم للمغفرة والرحمة ، فإذا علمتم أن الله يعادي الكفار ، ولا يقبل أعمالهم الخيرية ، ولا يغفر ذنوبهم ،
ولا يرحمهم
فَلا تَهِنُوا وَ
لا تتوانوا في قتالهم ، ولا تضعفوا في جهادهم ، بل جدوا واجتهدوا فيه ، ولا تجعلوا المشاغل الدنيوية مانعة عنه ، ولا
تَدْعُوا
هم
إِلَى السَّلْمِ وَ
الصلح .
ولا تسئلوا منهم متاركة القتال ، فان فيه ذلكم ، والحال
أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ
والغالبون عليهم .
ثم بين سبحانه علة علوهم وغلبتهم بقوله :
وَاللَّهُ مَعَكُمْ
وناصركم في الدارين
وَلَنْ يَتِرَكُمْ
ولن يضيع
أَعْمالَكُمْ
بل يعطيكم أجرها فوق ما تتوقعون ، فيكون لكم في جهادهم شرف الدنيا وثواب الآخرة ، فلا ينبغي لمن له عقل أن يتهاون فيه .
لما بين سبحانه أن الغلبة على الكفار بنصرة الله لا بقوتهم وشوكتهم ، كان مجال أن يتوهم أن أجر جهادهم ينقص بسبب كون الغلبة بنصرته تعالى ، فدفعه سبحانه وقال : لم ينقص أجر جهادكم بسبب نصرته ، بل يعطيكم أجركم كاملا « 2 » .
قيل : إن الآية ناسخة لقوله
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها
« 3 » وفيه : أنه لا تنافي بين الحكمين ، فان الآية ظاهرة في حرمة طلب المسلمين الصلح مع الكفار أولا ، والآية الأخرى إذن في إجابة الكفار إن طلبوا الصلح ، فان في طلب الصلح منهم ذل ومهانة للمسلمين « 4 » ، وفي إجابة دعائهم إلى الصلح شرف وكرامة لهم .
[ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 36 إلى 37 ]
إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ ( 36 ) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ ( 37 )
هامش
( 1 ) . ثواب الأعمال : 11 ، تفسير الصافي 5 : 30 .
( 2 ) . تفسير الرازي 28 : 73 .
( 3 ) . الأنفال : 8 / 61 .
( 4 ) . تفسير القرطبي 16 : 256 .