تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
الدنيا والأموال والأولاد والرئاسة وكونهم في خوف من العدوّ والضرر والمرض والذلّ ، وفي حزن ممّا يفوتهم ممّا يأملون ، وموتهم أسوأ الموت ، لصعوبة انقطاعهم من الدنيا ، وشدّة ابتلائهم بالعذاب . والطائفة الثانية حياتهم حياة طيبة ، لأنسهم باللّه ، وقناعتهم بما رزقهم اللّه ، وتوكلّهم على اللّه ، وفراغ قلبهم من همّ الدنيا ، وأمنهم من الأعداء ، وسرورهم بما أعدّ اللّه لهم من الكرامة والثواب . روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال لمّا رأى أصحاب الصّفّة « 1 » في المسجد : « المحيي محياكم والممات مماتكم » « 2 » . عن ابن عباس : يعني أحسبوا أنّ حياتهم ومماتهم كحياة المؤمنين ومماتهم ؟ كلا فإنهم يعيشون كافرين ويموتون كافرين ، والمؤمنون يعيشون مؤمنين ويموتون مؤمنين ، وذلك لأنّ المؤمن ما دام في الدنيا يكون وليه اللّه ، وأنصاره المؤمنون ، وحجّة اللّه معه ، والكافر بالضدّ « 3 » . وقيل : إنّ المعنى أحسبوا أن يستووا في الممات ، كما استووا في الحياة ؟ فانّ المؤمنين يستوون [ مع ] الكفّار في الرزق والصحة والكفاية ، بل قد يكون الكافر أحسن حالا من المؤمن ، وإنّما الفرق بينهما في الممات « 4 » . وقيل : إنّ الجملة مستأنفة ، والمعنى الكافر محياه ومماته سواء ، والمؤمن كذلك فكل يموت على ما عاش عليه « 5 » . ثمّ لمّا كان المشركون يقولون : نحن أحسن حالا من المؤمنين في الآخرة ، ردّهم اللّه بقوله :
ساءَ ما يَحْكُمُونَ
وبئس شيئا يقولون عن جزم من أنهم أحسن حالا من المؤمنين . قال الفخر الرازي : قال الكلبي : نزلت هذه الآية في عليّ وحمزة وأبي عبيدة بن الجرّاح ، وفي ثلاثة من المشركين : عتبة وشيبة والوليد بن عتبة ، قالوا للمؤمنين : واللّه ما أنتم على شيء ، ولو كان ما تقولون حقا لكان حالنا أفضل من حالكم في الآخرة ، كما أنّا أفضل حالا منكم في الدنيا ، فأنكر اللّه عليهم هذا الكلام « 6 » .

[ سورة الجاثية ( 45 ) : الآيات 22 إلى 23 ]

وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 22 ) أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 23 )
هامش
( 1 ) . الصّفّة : مكان مظلّل في مسجد المدينة ، كان يأوي إليه فقراء المهاجرين ، ويرعاهم الرسول صلّى اللّه عليه وآله ، وهم أصحاب الصّفّة . ( 2 ) . تفسير روح البيان 8 : 446 . ( 3 و 4 و 5 ) . تفسير الرازي 27 : 267 . ( 6 ) . تفسير الرازي 27 : 266 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 553 | الشيخ محمد النهاوندي