ثمّ هدّد سبحانه حبيبه صلّى اللّه عليه وآله على اتباع أهواء قومه بقوله :
إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ
ولا يفيدوك لو ملت إلى أديانهم الباطلة ، ولن يمنعوك
مِنَ
عذاب
اللَّهِ
على اتّباعك شهواتهم التي سمّوه دينا
شَيْئاً
قليلا من الإغناء ، وبوجه من الوجوه
وَإِنَّ
المشركين
الظَّالِمِينَ
على أنفسهم باختيار الكفر
بَعْضُهُمْ
في الدنيا والآخرة
أَوْلِياءُ بَعْضٍ
وأتباعه ، للتجانس في الخبث ، ورذالة الصفات والأخلاق ، ولا تنفعهم تلك الولاية ، وأنت وليّ اللّه
وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ
من الشرك واتّباع الهوى والأديان الباطلة ، وأنت قدوتهم ، وهو بولايته لهم وصّلهم إلى جميع الخيرات والسعادات الدنيوية والأخروية ، وما أبين الفرق بين الولايتين !
ثمّ بيّن سبحانه فوائد القرآن المشتملة على ادلّة دين الحق بقوله :
هذا
القرآن العظيم المشتمل على البيانات الشافية والمواعظ الوافية آياته
بَصائِرُ
للقلوب وأنوار للعيون النازلة
لِلنَّاسِ
من ربكم ومالك أمركم اللطيف بكم
وَهُدىً
ورشاد من الضلال
وَرَحْمَةٌ
ونعمة عظيمة من اللّه
لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
بصدقه وبأنّه كلام ربّه .
عن النبي صلّى اللّه عليه وآله « القرآن يدلّ على دائكم ودوائكم » « 1 » .
أقول : الداء الشرك ، وأعظم دوائه التفكّر في أدلّة التوحيد ، ثمّ بعده الذنوب ودواؤه الاستغفار ، ثمّ حبّ الدنيا ودواؤه التفكّر في فنائها .
[ سورة الجاثية ( 45 ) : آية 21 ]
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 21 )
ثمّ لمّا بيّن سبحانه ولايته للمتقين ، بيّن علّة ذلك ، وهو وضوح فضيلة المتقين على الظالمين بقوله :
أَمْ حَسِبَ
الكفّار
الَّذِينَ اجْتَرَحُوا
واكتسبوا
السَّيِّئاتِ
والأعمال الشنيعة ، واشتغلوا بها ، وغفلوا عن اللّه والدار الآخرة
أَنْ نَجْعَلَهُمْ
ونصيّرهم في الألطاف والإكرام
كَالَّذِينَ آمَنُوا
بما يجب الايمان به من التوحيد ورسالة الرسول والدار الآخرة
وَعَمِلُوا
الأعمال
الصَّالِحاتِ
المرضيات عندنا ، ونعاملهم معاملتهم ، ويكون
سَواءً
ومساويا
مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ
ودنياهم وآخرتهم ؟ كلا ليس الظالمون كالمتقين ، والعصاة المسيئون كالمطيعين الصالحين ، بل الطائفة الأولى في ذلّ الكفر والعصيان ، والثانية في عزّ الايمان والطاعة ، ولا تستوي حياتهم وموتهم ، فانّ الطائفة الأولى حياتهم أسوأ الحياة ، لابتلائهم فيها بالتعب لجمع الأموال وحفظها ، واشتغال قلوبهم بحبّ
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 8 : 444 .