تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
ثمّ هدّدهم سبحانه على أباطيلهم بقوله :
وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ
شديد من اللّه لمكابرتهم الحقّ بعد ظهوره
وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ
لا يوصف بالبيان على كفرهم . ثمّ أكد نزول القرآن من اللّه بقوله :
اللَّهُ
هو اللطيف
الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ
الجامع للعلوم والأحكام مقرونا
بِالْحَقِّ ،
وشواهد الصدق ،
وَ
أنزل
الْمِيزانَ
قيل : هو الشرع الذي يوزن به الأعمال ، ويعيّن به وزن الأشخاص ، ويعتبر به الحقوق « 1 » . وقيل : هو كناية عن نفس العدل في الحقوق ، وإنزاله كناية عن الأمر به « 2 » ، أو المراد به معناه الحقيقي لما « 3 » روي أنّ جبرئيل نزل بالميزان ، فدفعه إلى نوح ، فقال له : مر قومك يزنوا به « 4 » . وقيل : إنّ المراد به خاتم الأنبياء صلّى اللّه عليه وآله « 5 » . وقال القمي : هو أمير المؤمنين عليه السّلام « 6 » . أقول : لا شكّ أن المعنيين واحد ، وإنّما قرن اللّه الميزان بالكتاب تنبيها على أن العدل في الحقوق أهمّ الأمور بعد التوحيد ، وأنّه المقصود المهمّ من الكتاب ، وأنّ العدل وميزان الأعمال هو المهمّ في القيامة ، ولذا ذكرها بعده بقوله :
وَما يُدْرِيكَ
يا محمد ، وأيّ شيء يعلمك بحال الساعة التي هي من العظم والشدّة والخفاء بحيث لا يعلم وقت وقوعها أحد إلّا بإعلامنا
لَعَلَّ
تلك
السَّاعَةَ
التي نطق بمجيئها الكتاب شيء
قَرِيبٌ
مجيئها ، فكونوا منها على حذر ، وتهيئوا لها بأعمالكم ، والعجب أنّه مع ذلك
يَسْتَعْجِلُ بِهَا
وسأل سرعة مجيئها استهزاء بالكتاب وبالنبي المخبرين بوقوعها الكفّار
الَّذِينَ
لا يعتقدون بالساعة و
لا يُؤْمِنُونَ بِها
لعدم خوفهم منها ، ويقولون : متى هي ؟ ليتها قامت حتى يظهر أنّا على الحقّ أم محمد
وَ
لكن
الَّذِينَ آمَنُوا
بها بإخبار النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وكتابه كلّهم
مُشْفِقُونَ
وخائفون
مِنْها
ويتداركون لها ، ويتمنّون تأخيرها ، لأنّهم يتيقّنون
وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ
الواقع لا محالة
أَلا
أيّها العقلاء اعلموا
إِنَّ
السّفهاء
الَّذِينَ يُمارُونَ
ويجادلون النبي صلّى اللّه عليه وآله والمؤمنين
فِي
إمكان وقوع
السَّاعَةِ
وينكرون مجيئها عنادا ولجاجا ، واللّه
لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ
عن الحقّ ، لوضوح إمكانه ، وكمال قدرة اللّه على إتيانها ، ووضوح وجوب الوفاء بالوعد على اللّه ، ووجوب وقوعها ، لأنّ استيفاء حقّ المظلوم من الظالم ، وعدم التسوية بين المطيع والعاصي واجب ، فلو لم تجيء الساعة لزم تضييع حقّ المظلوم والمطيع ، وهو محال على اللّه .

[ سورة الشورى ( 42 ) : آية 19 ]

اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ( 19 )
هامش
( 1 و 2 و 3 و 4 ) . تفسير روح البيان 8 : 301 . ( 5 ) . مجمع البيان 9 : 40 ، تفسير روح البيان 8 : 302 . ( 6 ) . تفسير القمي 2 : 274 ، تفسير الصافي 4 : 370 .