تزول الأسباب ، وتنعزل الأرباب ، ولا يبقى غير حكم مسبّب الأسباب « 1 » .
[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 17 إلى 18 ]
الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 17 ) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ( 18 )
ثمّ أعلن سبحانه بعدله في المجازات بقوله :
الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ
من النفوس
بِما كَسَبَتْ
وعملت في الدنيا خيرا أو شرا
لا ظُلْمَ الْيَوْمَ
بوجه من الوجوه على أحد ، لا بزيادة العقاب ، ولا بنقص الثواب
إِنَّ اللَّهَ
تعالى مع كثرة الخلق
سَرِيعُ الْحِسابِ
بحيث يحاسب جميعهم في أقرب زمان ، إذ لا يشغله شأن عن شأن .
عن ابن عباس رضى اللّه عنه : إذا أخذ اللّه في حسابهم ، لم يقل أهل الجنّة إلّا فيها ، ولا أهل النار إلّا فيها « 2 » .
ثمّ بالغ سبحانه في تخويف الكفّار من أهوال القيامة بقوله :
وَأَنْذِرْهُمْ
يا محمّد
يَوْمَ
القيامة
الْآزِفَةِ
والقريبة الوقوع ؛ لأنّ كلّ آت قريب
إِذِ الْقُلُوبُ
فيه ترتفع من مكانها من شدّة الخوف والفزع وتقف
لَدَى الْحَناجِرِ
وتلتصق بالحلقوم ، فلا تعود فيتنفّسوا أو يستروحوا ، ولا تخرج فيموتوا ، قيل : تنتفح الرّئة من الفزع ، فيرتفع القلب إلى الحنجرة « 3 » ، حال كون أصحاب القلوب
كاظِمِينَ
وحابسين غيظهم في أنفسهم بالصبر ، وساكتين حال امتلائهم بالغمّ والكرب ، وعاجزين عن إظهارهما والنّطق بهما من شدّة غلبتهما عليهم ، وعظم اضطرابهم من أهوال ذلك اليوم ، ورؤية العذاب المعدّ لهم و
ما لِلظَّالِمِينَ
على أنفسهم في الدنيا بالكفر والطغيان ما به نجاتهم منه
مِنْ حَمِيمٍ
وقريب مشفق يدفع عنهم العذاب ببذل النفس والمال
وَلا
لهم في ذلك اليوم من
شَفِيعٍ
يشفع لهم و
يُطاعُ
في شفاعته ، ويقبل قولهم والتماسهم النجاة لهم . وفيه ردّ على المشركين الزاعمين أنّ الأصنام شفعائهم عند اللّه ، ويقبل شفاعتهم البتة .
[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 19 إلى 20 ]
يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ ( 19 ) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 20 )
ثمّ إنّه تعالى بعد ذكر أعظم موجبات الخوف ، بيّن علمه بجميع أعمال العباد وذنوبهم ، بحيث لا
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 27 : 47 قطعة منه .
( 2 ) . تفسير روح البيان 8 : 169 .
( 3 ) . تفسير روح البيان 8 : 170 .