تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنّه سئل عن تفسير مقاليد السماوات والأرض ، فقال : « تفسيرها لا إله إلّا اللّه ، واللّه أكبر ، وسبحان اللّه وبحمده ، وأستغفر اللّه ، ولا حول ولا قوة إلّا باللّه العليّ العظيم ، هو الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، بيده الخير ، يحيي ويميت ، وهو على كلّ شيء قدير » « 1 » . أقول : على هذه الرواية يكون معنى الآية له هذه الكلمات ، وهي مفاتيح جميع الخيرات ، فمن قالها أصاب خير الدنيا والآخرة . ثمّ لمّا بيّن سبحانه ربح المؤمن في سوق تجارة الدنيا ، ذكر خسران الكفار بقوله :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ
التنزيلية والتكوينية الآفاقية والأنفسية الدالة على توحيد اللّه في ذاته وصفاته الجلالية والجمالية
أُولئِكَ
البعيدون عن ساحة رحمة اللّه
هُمُ الْخاسِرُونَ
خسرانا لا خسارة ورائه ، لأنّهم سدّوا على أنفسهم أبواب رحمته ولطفه ، وفتحوا عليها أبواب سخطه وعذابه .

[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 64 إلى 65 ]

قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ ( 64 ) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 65 ) ثمّ إنّه تعالى بعد بيان أنّ ذاته المقدسة خالق كلّ شيء ، ومدبّر أمور عالم الوجود ، ومعطي الخيرات ومانعها ، أمر نبيّه وحبيبه صلّى اللّه عليه وآله بالانكار على من توقّع منه عبادة غيره ، وإظهار التعجّب من طمعهم بقوله :
قُلْ
يا محمد ، في جواب من يتوقع منك الايمان بالأصنام ، ويسأل منك الإقدام بعبادتها :
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ
قيل : إنّ التقدير أبعد مشاهدة آيات قدرة اللّه « 2 » وحكمته ووحدانيته ، ومعرفتي إياه بجميع الصفات الكمالية ، فغير اللّه من المخلوقات التي أنا أفضل وأكمل من جميعها
تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ
وتسألوني أن أقول بألوهيتها ، وتقولون أن أستلمها . قيل : كانوا يقولون : يا محمد ، استلم بعض آلهتنا نؤمن بإلهك « 3 » .
أَيُّهَا الْجاهِلُونَ
بحكم العقل والعقلاء ، فانّ من الواضح أنّ العقل حاكم بقبح عبادة الجماد الذي لا يضرّ ولا ينفع ، وترك عبادة الخالق الذي بيده كلّ خير وشرّ ونفع وضرّ . ثمّ إنّه تعالى بعد أمر نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بتوبيخ المشركين على طمعهم في إشراكه وإظهار أنه عين الجهل والحمق ، بالغ سبحانه في قطع طمعهم فيه ، بتهديد حبيبه عليه بقوله :
وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ ،
يا محمد ، من قبلنا
وَإِلَى
الأنبياء
الَّذِينَ
جاءوا
مِنْ قَبْلِكَ
وكان ما أوحي إليك وإلى كلّ واحد منهم ،
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 27 : 11 ، تفسير البيضاوي 2 : 330 ، تفسير أبي السعود 7 : 261 ، تفسير روح البيان 8 : 132 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 8 : 132 . ( 3 ) . تفسير الرازي 27 : 12 ، تفسير أبي السعود 7 : 262 .