تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
ثمّ أكّد سبحانه وحدته وقدرته بقوله :
رَبُّ السَّماواتِ
السبع
وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا
من آلهتكم وغيرها ، ومالك جميع الموجودات ، ومدبّر جميع العوالم ، وهو
الْعَزِيزُ
الذي لا يغلب في أمر من الأمور ، فلا يكون لشيء عزّة ولا قوة ولا غلبة بوجه من الوجوه . ثمّ إنّه تعالى بعد ترهيب المشركين بتوصيف ذاته المقدسة بالقهارية ، رغّبهم بالتوبة بتوصيف ذاته بالغفارية ، كأنه قال : هو مع قهاريته ، وعظمة سلطنته ، وكمال قدرته على الانتقام
الْغَفَّارُ
لمن خالفه وعصاه ، ومع عفوه ستّار لقبائح أعماله إذا تاب وآمن وعمل صالحا . في الحديث : « إذا قال العبد : يا رب اغفر لي . قال اللّه : أذنب عبدي ذنبا ، فعلم أنّ له ربا يغفر الذنوب وما يؤاخذ « 1 » به ، أشهدكم أنّي قد غفرت له » « 2 » . وإنّما قدّم ذكر وصف القهارية لمناسبته للانذار .
قُلْ
يا محمد ، للمشركين : إنّ القرآن الذي جئتكم به
هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ
وخبر ذو فائدة مهمة ، وذو شأن جسيم ، نازل من اللّه الكريم ، ينبّئكم بالتوحيد والنبوة والمعاد ، وكيفية الحشر والجنة والنار ، والعلوم الكثيرة والحكم الوفيرة ، والأحكام والأخلاق والآداب ، وكلّ ما تحتاجون إليه من أمور المعاش والمعاد و
أَنْتُمْ
أيّها المشركون لانغماركم في الضلال
عَنْهُ مُعْرِضُونَ
ولتصلّبكم في دينكم به لا تعتنون ، مع أنّ جميع الأمور المذكورة من أعظم موجبات السعادة ، والجهل بها من أعظم أبواب الشّقاوة ، وبداهة العقل تحكم بوجوب النظر والتفكّر فيها وعدم جواز المساهلة فيها والتغافل عنها .

[ سورة ص ( 38 ) : الآيات 69 إلى 70 ]

ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ( 69 ) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 70 ) ثمّ استدلّ سبحانه على أنّ القرآن كلام اللّه تعالى ، وأنّه نازل منه إليه بالوحي بقوله :
ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ
ما بوجه من الوجوه
بِالْمَلَإِ الْأَعْلى
وأحوال الملائكة الساكنين في السماوات العلى ، ومكالماتهم بطريق السماع من العلماء وقراءة الكتب والحضور عندهم
إِذْ يَخْتَصِمُونَ
وحين يقولون للّه بعد قوله :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
« 3 » أتجعل فيها خلقا تغلب عليهم الشهوة والغضب ، فيفسدون فيه ويسفكون الدماء ، ونحن مطهّرون من الرذيلتين ومنزّهون ممّا يترتّب عليهما من قبائح الأعمال ، ومع ذلك نسبّحك ونقدّس لك . فردّه اللّه بقوله :
إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
« 4 » وإنّما
هامش
( 1 ) . في تفسير روح البيان : ويأخذ . ( 2 ) . تفسير روح البيان 8 : 55 . ( 3 ) . البقرة : 2 / 30 . ( 4 ) . البقرة : 2 / 30 .