قيل : إنّ في قولهم
إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ
دلالة على حصر الصفّ في العبادة ، والتسبيح بهم ، فدلّ على أنّ عبادة غيرهم من الثقلين وتسبيحهم بالنسبة إلى عبادتهم وتسبيحهم كالعدم « 1 » .
وإن كان تأويله في الأئمة عليهم السّلام يدلّ على أنّ عباده الملائكة وتسبيحهم في جنب عبادتهم وتسبيحهم كالعدم ، أو المراد العبادة الاستقلالية والأولية لا التبعية .
ثمّ وبّخ سبحانه المشركين بخلفهم ونقضهم العهد بقوله :
وَإِنْ كانُوا
قبل بعثه النبي صلّى اللّه عليه وآله ونزول القرآن
لَيَقُولُونَ
اعتذارا عن شركهم وتقليد آبائهم
لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً
وكتابا
مِنَ
كتب الأمم
الْأَوَّلِينَ
كالتوراة والإنجيل
لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
والموحّدين الخالصين ، ولما خالفنا كتابنا كما خالفت الأمم كتبهم ، ولمّا لم ينزل علينا كتاب ناطق بالتوحيد وبطلان عبادة الأصنام ، قلّدنا آباءنا الأقدمين ، وقلنا بما قالوا . فلمّا جاءهم ذكر هو سيد الأذكار ، وكتاب مهيمن على سائر الكتب متضمّن للتوحيد والمعارف والحكم والأحكام ودلائل الصدق
فَكَفَرُوا بِهِ
وأنكروا صدقه ، ونسبوه إلى الشعر والسحر والكهانة
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
وخامة عاقبة كفرهم وسوء نتيجته ، وهو الخذلان والقتل والأسر في الدنيا ، والعذاب الأليم الدائم في الآخرة .
[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 171 إلى 175 ]
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ ( 171 ) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ( 172 ) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ( 173 ) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ( 174 ) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ( 175 )
ثمّ أنّ اللّه تبارك وتعالى بعد تهديد الكفّار والمشركين بالخذلان والعذاب ، ذكر نصرته لأنبيائه عليهم السّلام بقوله :
وَلَقَدْ سَبَقَتْ
وو اللّه لقد تقدّمت في الأزل ، أو في اللّوح المحفوظ
كَلِمَتُنا
ووعدنا
لِعِبادِنَا
الخلّصين وأنبيائنا
الْمُرْسَلِينَ
إلى الناس لهدايتهم ودعوتهم إلى التوحيد ، ومعرفة اللّه بصفات الكمال والجلال ،
وتلك الكلمة وذلك الوعد هو قولنا :
إِنَّهُمْ
فقط
لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ
من قبلنا في الدنيا والآخرة على مخالفيهم
وَإِنَّ جُنْدَنا
وعسكرنا ، وهم المرسلون وأتباعهم الذين يحامون عن ديننا وكتبنا
لَهُمُ الْغالِبُونَ
على أعدائهم بالمال ، وإن فرضت الجولة والدولة لغيرهم في برهة من الزمان ، وأمّا الغلبة بالحجّة فهي لهم في جميع الأزمان والأوان ، ولا يكون لغيرهم ولو في آن .
ثمّ أنّ اللّه تبارك وتعالى بعد تقوية قلب نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بالنّصرة ، أمره بترك مقاتلة أعدائه بقوله :
فَتَوَلَّ
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 26 : 171 .