وأعرضوا
عَنْهُ
حال كونهم
مُدْبِرِينَ
وهاربين منه ، لخوف السّراية ،
فلمّا ذهب القوم وتركوه جاء إلى بيت الأصنام
فَراغَ
وذهب خفية
إِلى آلِهَتِهِمْ
فرأى أنّ القوم وضعوا عندهم الطّعام لتحصل له البركة على ما قيل « 1 »
فَقالَ
لهم استهزاء بهم :
أَ لا تَأْكُلُونَ
من هذا الطعام ؟
ثمّ بالغ في الاستهزاء بهم وقال
ما لَكُمْ
وأي حال عرض لكم أنّكم
لا تَنْطِقُونَ
ولا تكلّمون معي ولا تجيبوني ؟
فَراغَ
وأقبل
عَلَيْهِمْ
خفية فضربهم
ضَرْباً
شديدا
بِالْيَمِينِ
وبتمام القوّة التي كانت له . قيل : إنّ المراد فأقبل عليهم حال كونه ضاربا لهم بسبب الحلف على ضربهم بقوله :
تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ
فلمّا رجع القوم من عيدهم « 2 » جاءوا إلى الأصنام على حسب رسمهم ، فوجدوها مكسورة ، فظنّوا بالقرائن أنّه عمل إبراهيم « 3 »
فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ
وتوجّهوا نحوه ، وهم
يَزِفُّونَ
ويسرعون في المشي .
ثمّ أنّه بعد ما جرت بينه وبين القوم من المحاورات التي حكاها سبحانه في سورة الأنبياء
قالَ
توبيخا لهم :
أَ تَعْبُدُونَ
يا قوم ، وأنتم عقلاء
ما تَنْحِتُونَ
بأيديكم من الأحجار والأخشاب ؟ !
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ
بقدرته مادة وصورة
وَ
خلق
ما تَعْمَلُونَ
من الأصنام بإقداركم على نحتها .
ولمّا عجز نمرود وخواصه من إبطال حجّته
قالُوا :
يا قوم
ابْنُوا لَهُ بُنْياناً
رفيعا عظيما ، واملأوه حطبا ، وأشعلوا فيه النار لإحراق إبراهيم
فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ
والنار الشديدة الإيقاد . قيل : إنّ القائل رجل من أعراب فارس اسمه الهيزن « 4 » .
عن ابن عباس ، أنّه قال : بنوا حائطا من حجر ، طوله في السماء ثلاثون ذراعا ، وعرضه عشرون ذراعا ، وملأوه حطبا ، وأشعلوا فيه نارا « 5 » .
فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً
وشرّا عظيما ، وهو إحراقه بالنار
فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ
والأذلّين بإبطال كيدهم ، وجعل النار عليه بردا وسلاما ، وسعيهم في إهلاكه سببا لظهور حجّته ووضوح صدقه وعلوّ رتبته
وَقالَ
للوط ولمن آمن به من بعد إنجاء اللّه إياه من النار :
إِنِّي ذاهِبٌ
ومهاجر من هذه القرية الظالم أهلها ، وهي حرّان ، أو بابل ، أو هرمز بحرة « 6 » التي كانت بين البصرة والكوفة
إِلى
بلاد الشام التي أمرني
رَبِّي
بالذّهاب إليها .
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 7 : 470 .
( 2 ) . في النسخة : معيدهم .
( 3 ) . تفسير روح البيان 7 : 470 .
( 4 ) . تفسير روح البيان 7 : 471 .
( 5 ) . تفسير روح البيان 7 : 471 .
( 6 ) . الذي في معجم البلدان : هرمز جرد : ناحية في أطراف العراق ، وهرمز قرة : قرية في طرف نواحي مرو ، ولعل ما في المتن مصحف ما عن : هرمز جرد . معجم البلدان 5 : 463 .