تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
يريه كمال حلم ولده ، فأمره في المنام بذبحه .

قصة رؤيا إبراهيم ، وإقدامه بذبح ولده

روي أنّ إبراهيم رأى ليلة التروية في منامه كأنّ قائلا يقول له : إنّ اللّه يأمرك بذبح ابنك هذا ، فلمّا أصبح تروّى في ذلك من الصباح إلى الرّواح ، أمن اللّه هذا الحكم أم من الشيطان ، فمن ثمّ سمّي يوم التروية ، فلمّا أمسى رأى مثل ذلك ، فعرف أنّه من اللّه ، فسمّي يوم عرفة ، ثمّ رأى مثله في الليلة الثالثة ، فهمّ بنحره فسمّي يوم النحر « 1 » . وفي ( الكافي ) عنهما عليهما السّلام : « لمّا كان يوم التروية قال جبرئيل لإبراهيم : تروّ من الماء ، فسمّي تروية ، ثمّ أتى منى فأباته بها ، ثمّ غدا إلى عرفات ، فضرب خباءه بنمرة دون عرفة ، وبنى مسجدا بأحجار بيض - إلى أن قال - : عمد به إلى عرفات فقال : هذه عرفات ، فاعرف بها مناسكك ، وأعترف بذنبك ، فسمّي عرفات . ثمّ أفاض إلى المزدلفة ، فسمّيت المزدلفة لأنّه ازدلف إليها » « 2 » . وعلى أي تقدير ، فجاء إبراهيم بإسماعيل إلى منى ، وهو ابن ثلاث عشر سنة على ما قيل « 3 » و
قالَ
له تلطّفا وإشفاقا
يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ
ما يوجب عليّ
أَنِّي أَذْبَحُكَ
قربانا للّه . وقيل : إنّه رأى أنّه يذبحه « 4 »
فَانْظُرْ
وتفكّر فيما قلت
ما ذا تَرى
وأيّ شيء هو رأيك ومختارك ؟ وإنّما استكشف رأيه ليعلم أنّه صابر في البلاء ومنقاد لأمر اللّه أو جزوع آب من التسليم ، وليكون سنة في المشاورة ، أو ما ترى من نفسك من الصبر والتسليم ؟ فلمّا سمع إسماعيل ذلك من أبيه
قالَ
بلا ريث وتأمّل
يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ
به من ذبحي ، وإنّما قال ما تؤمر ولم يقل ما أمرت ، للدلالة على أنّ انقياده لا يختصّ بخصوص الذبح الذي امر به ، بل يعمّ لكلّ ما يؤمر به في حقّه
سَتَجِدُنِي
يا أبه
إِنْ شاءَ اللَّهُ
أن أكون صابرا
مِنَ الصَّابِرِينَ
على الذبح ، أو قضاء اللّه ، ومن المنقادين لأمر اللّه .
فَلَمَّا أَسْلَما
وانقادا لأمر اللّه ، عن قتادة : أسلم إبراهيم ابنه ، وإسماعيل نفسه « 5 »
وَتَلَّهُ
وصرعه إبراهيم
لِلْجَبِينِ
وألقاه على شقّه بحيث وقع جبينه على الأرض لمباشرة الأمر بصبر وجلد
وَنادَيْناهُ
من جانب الجبل ، أو من ميسرة مسجد الخيف
أَنْ يا إِبْراهِيمُ
كفّ عن ذبح ولدك ، فانّك
قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا
وعملت بما رأيت في المنام من العزم على الذبح ، وإتيان مقدّماته التي كانت تحت يدك وقدرتك . قيل : إنّه تعالى أمرّ السّكّين بقوّته على منحره فلم يقطع ، ثمّ وضع السّكّين على قفاه فانقلب السكّين « 6 » .
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 26 : 153 ، تفسير البيضاوي 2 : 298 ، تفسير أبي السعود 7 : 200 ، تفسير روح البيان 7 : 473 . ( 2 ) . الكافي 4 : 207 / 9 ، تفسير الصافي 4 : 277 . ( 3 ) . مجمع البيان 8 : 706 ، تفسير الرازي 26 : 152 . ( 4 ) . تفسير الرازي 26 : 153 . ( 5 ) . تفسير الرازي 26 : 157 ، تفسير روح البيان 7 : 474 . ( 6 ) . تفسير روح البيان 7 : 475 .