تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
وحكمنا بزهاق « 1 » روحه من جسده ومات ، بقي معتمدا على عصاه مدة مديدة ، لكيلا تتوانى جنوده من الجنّ والإنس في ما كلّفهم من الأعمال المقصودة له . ثمّ
ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ
وما عرفهم به
إِلَّا
الأرضة التي هي
دَابَّةُ الْأَرْضِ
وحشراتها التي تأكل الخشب ، فكانت
تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ
وعصاه
فَلَمَّا
انكسرت و
خَرَّ
وسقط سليمان عليه السّلام على الأرض ميتا
تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ
وظهرت لهم
أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ
لعلموا بموت سليمان حينه و
ما لَبِثُوا
وما مكثوا بعد موته مدّة مديدة
فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ
والأعمال الشاقة التي كانوا يعملونها له بتسخيره وبأمره . وقيل : يعني تبيّنت للإنس أنّ الجنّ لو كانوا يعلمون الغيب إلى آخره « 2 » ، فانّ الإنس لمّا رأوا أنّ الجنّ يعلمون ما لا يعلمه الإنس ، ظنّوا أنّهم يعلمون الغيب ، فظهر بظهور جهلهم بموت سليمان عليه السّلام خطأ الإنس في ذلك الظنّ . قيل : إنّه لمّا دنا أجل سليمان عليه السّلام لم يصبح إلّا ورأى في محرابه شجرة نابتة « 3 » ، فكان يسألها من خواصها فتخبره بها ، وهو يخبر الأطبّاء بها ، ثمّ إنّه رأى في محرابه يوما حشيشا خشبا رطبا ، فسأله عن اسمه وخاصيّته ، فقال : أمّا اسمي فخرتوب « 4 » ، وأمّا خاصيّتي فتخريب البيوت ، فانّي في أيّ بيت أنبت يخرب ذلك البيت ، فعلم سليمان عليه السّلام أنّه قد دنا أجله . ثمّ أنّه لاقى ملك الموت ، فقال له : أخبرني بوقت موتي ، فجاءه يوما وقال : لم يبق من عمرك إلّا ساعة ، فأوص بما شئت ، فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من قوارير ليس له باب ، فقام يصلّي ، واجتمعت الشياطين حوله ، ولم يكن شيطان ينظر إليه في صلاته إلّا احترق ، فقبض عزرائيل روحه الشريف ، فبقي جسده قائما متكئا على عصاه سنة ، ولم يعلم أحد بموته ، ولا ينكرون عدم خروجه لطول صلاته قبل ذلك ، فلمّا أكلت الأرضة عصاه ، سقط على الأرض ، فمرّ شيطان به ، فلم يسمع صوته ، ثمّ رجع فلم يسمع صوته ، ثمّ نظر فإذا هو قد خرّ ميتا ، ففتحوا عنه ، فإذا العصا قد أكلتها الأرضة ، فأرادوا أن يعرفوا وقت موته فوضعوا الأرضة على العصا ، فأكلت منها في يوم وليلة مقدارا ، فحسبوا على ذلك النحو ، فوجدوه قد مات منذ سنة ، وكانوا يعملون بين يديه بظنّ أنه كان حيا . ثمّ أنّ الشياطين قالوا للأرضة : لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيبه ، ولو كنت تشربين الشراب أسقيناك من أطيبه ، ولكن ننقل إليك الماء والطين ، فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت ، ألم تر إلى
هامش
( 1 ) . كذا ، والصواب : زهوق . ( 2 ) . مجمع البيان 8 : 601 ، تفسير روح البيان 7 : 278 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 7 : 278 . ( 4 ) . كذا ، ولعله خرنوب ، أو خرّوب .