وقت من الأوقات
إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً
وأراد شيئا
أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
والاختيار في قبال قضائهما وإرادتهما بأن يختاروا
مِنْ أَمْرِهِمْ
وفي عملهم ما شاءوا ، بل يجب أن يجعلوا آراءهم واختيارهم تبعا لرأيهما واختيارهما ، ويعلم قضاء اللّه من قضاء الرسول . وقيل : إنّ المراد قضاء الرسول ، وذكر قضاء اللّه لتعظيم الرسول « 1 » . وقيل : إنّ ضمير الجمع الثاني للرسول تعظيما له « 2 » .
ثمّ هدّد من اختار غير مختارهما بقوله :
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
في أمر من الأمور ، ويختار لنفسه غير ما أختار له
فَقَدْ ضَلَّ
وانحرف عن طريق الحقّ والصواب
ضَلالًا
وانحرافا
مُبِيناً
واضحا لا يشكّ فيه العاقل .
روي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله خطب زينب بنت جحش بن رباب الأسدي ، بنت عمّته ميمونة بنت عبد المطّلب لمولاه زيد بن حارثة ، وكانت زينب بيضاء جميلة ، وزيد أسود أفطس ، فأبت وقالت : أنا بنت عمّتك يا رسول اللّه ، وأرفع قريش ، فلا أرضاه لنفسي ، وكذلك أبى أخوها عبد اللّه بن جحش ، فنزلت « 3 » ، فقالت زينب وأخوها : رضينا يا رسول اللّه ، فأنكحها رسول اللّه إياه ، وساق إليها مهرها عشرة دنانير ، وستين درهما ، وخمارا ، وملحفة ، ودرعا ، وإزارا ، وخمسين مدّا من طعام ، وثلاثين صاعا من تمر ، وبقيت بالنكاح معه مدّة ، فجاء النبيّ صلّى اللّه عليه وآله يوما إلى دار زيد لحاجة ، فوقع نظره إلى زينب ، فأعجبه حسنها فأحبّها ، وقد كان يمتنع عن نكاحها قبل ذلك ، ولا يريدها . فقال عليه السّلام : « سبحان اللّه ! يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي » وانصرف ، فسمعت زينب التسبيح ، فذكرته لزيد بعد مجيئه ، ففطن زيد أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أحبّها ، فأتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله تلك الساعة ، فقال : يا رسول اللّه ، إنّي أريد أن أفارق صاحبتي . فقال عليه السّلام : « مالك أرأيت منها شيئا ؟ » . قال : لا واللّه ما رأيت منها إلّا خيرا ، ولكنّها تتعظّم عليّ لشرفها ، وتؤذيني بلسانها « 4 » ،
فحكى اللّه منعه منه بقوله :
وَإِذْ تَقُولُ
يا محمد
لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ
بالتوفيق لقبول الاسلام ، والايمان بك ، وأعانه على الرضا بما حكم اللّه به عليه من مفارقته زوجته ، وتسليمها للرسول ، وتخصيصه من بين الصحابة بذكر اسمه في هذه الآية في القرآن
وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ
بتحريره ، وحسن تربيته ، وتبنيّه وتزويجه من بنت عمّتك
أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ
زينب ولا تطلّقها
وَاتَّقِ اللَّهَ
في طلاقها ، أو في الشكوى من تعظّمها
وَ
أنت
تُخْفِي
حين ردعه عن طلاقها
فِي نَفْسِكَ
من الناس
مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ
ومظهره لهم من عملك بأنّها إحدى أزواجك ، وأن زيدا يطلّقها ، وستكون زوجتك ، وإنّما كان اخفاؤك لأنّك تخاف
وَتَخْشَى النَّاسَ
من أن يلوموك
هامش
( 1 و 2 ) . تفسير البيضاوي 2 : 246 ، تفسير أبي السعود 7 : 104 ، تفسير روح البيان 7 : 177 .
( 3 ) . تفسير روح البيان 7 : 177 .
( 4 ) . تفسير روح البيان 7 : 178 .