جهنّم من الجنّة والناس أجمعين . ويقول اللّه : يا آدم ، أعلم أنّي لا أدخل من ذرّيتك النار أحدا ولا اعذّب منهم بالنار أحدا ، إلّا من علمت أنّي لو رددته إلى الدنيا لعاد إلى أشرّ ممّا كان فيه ، ولم يرجع ولم يتب » الخبر « 1 » .
[ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 14 إلى 17 ]
فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 14 ) إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 15 ) تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 16 ) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 17 )
ثمّ كأنه تعالى قال : إذا علمتم أنّه لا يمكن رجوعكم إلى الدنيا
فَذُوقُوا
وأطعموا طعم نار جهنّم
بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ
اللّه في
يَوْمِكُمْ هذا
اليوم العظيم الهائل ، وتركتم النظر والتفكّر في أدلّة المعاد ، وانهمكتم في الشهوات ولذائد الدنيا ، وغفلتم عن الدار الآخرة
إِنَّا
أيضا لا ننظر إليكم اليوم نظر الرحمة ، كأنّا
نَسِيناكُمْ
وغفلنا عنكم وتركناكم فيما أنتم فيه من العذاب
وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ
والدائم الذي لازم نسيانكم ، لا بسبب نسيانكم اليوم فقط ، بل به و
بِما كُنْتُمْ
في الدنيا
تَعْمَلُونَ
من القبائح والمعاصي ، كتكذيب الرسول وإيذائه ، وإيذاء المؤمنين به ، ونظائرهما من فنون الكبائر .
ثمّ أنّه تعالى بعد بيان إنكار المشركين آيات التوحيد والمعاد وسوء حالهم في الآخرة ، بيّن تعظيم المؤمنين لأدلّة التوحيد والمعاد ، وإظهار خضوعهم وانقيادهم عند سماعهم الآيات الدالات عليهما وحسن حالهم في الآخرة بقوله :
إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا
الدالة على التوحيد والمعاد
الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا
ووعظوا
بِها
وسمعوها من الرسول ، أو المؤمنين
خَرُّوا
وسقطوا إلى الأرض حال كونهم
سُجَّداً
وخضعوا وأظهروا الانقياد لها
وَسَبَّحُوا
للّه ونزّهوه عن الشّرك ، والولد ، وخلق العالم عبثا ، والعجز عن إعادة الخلق لجزاء الأعمال ، وغير ذلك ممّا لا يليق به ، مقرنين تسبيحهم
بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
على نعمه التي أعظمها التوفيق للايمان به وبآياته ، والتسليم لأحكامه وأوامره ، والرغبة والشوق إلى طاعته ، والعمل بمرضاته
وَهُمْ
لمعرفة أنفسهم بذلّة العبودية ومعرفة ربّهم بعظمة الألوهية والربوبية
لا يَسْتَكْبِرُونَ
ولا يتعظّمون ولا يترفّعون عن السجود والانقياد له ، والتذّلل والخضوع عنده ، وبذل الجهد في طاعته وعبادته ، بل يهتمّون في القيام بوظائف العبودية
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 7 : 117 .