ثمّ أنّه تعالى بعد ذمّ الكفّار المجادلين في اللّه مدح المؤمنين المستسلمين له بقوله :
وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ
ونفسه
إِلَى اللَّهِ
تسليم المتاع لمالكه ، وأقبل بشراشره عليه وفوّص أموره له
وَهُوَ مُحْسِنٌ
في أعماله مجدّ في القيام بوظائف عبوديته
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ
وتعلّق
بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى
والحبل المحكم الذي لا انقطاع له ، ولا يخاف معه من التردّي في مهاوي الهلاك والضلال في الدنيا ، ومن السقوط في الجحيم في الآخرة ، وتكون عاقبته أحمد العواقب ؛ لأنّ إلى اللّه يكون مآل جميع الأشياء
وَإِلَى اللَّهِ
تنتهي
عاقِبَةُ
جميع
الْأُمُورِ
فيجازي الموحّد المستسلم إليه أحسن الجزاء ، ويثيبه أفضل الثواب .
ثمّ لمّا ذكر لجاج الكفّار وجدالهم في التوحيد وتكذيبهم للرسول ، سلّاه سبحانه بقوله :
وَمَنْ كَفَرَ
بالتوحيد وكذّبك فيه
فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ
وتكذيبه ، فانّه سيظهر لهم صدقك ، لأنّه بعد خروجهم من الدنيا يكون
إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ
وإلى محكمتنا مآبهم
فَنُنَبِّئُهُمْ
ونعلمهم بعد رجوعهم إلينا
بِما عَمِلُوا
في الدنيا من الكفر بالتوحيد وتكذيبك ، ولا يخفى علينا شيء من أعمالهم
إِنَّ اللَّهَ
الخالق لجميع أجزاء الخلق بقدرته
عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
وما في قلوبهم من الضمائر والنيّات ، ولا تنظر إلى النّعم التي أنعمنا عليهم في الدنيا من الصحّة والجاه والمال والأولاد ،
فانّا
نُمَتِّعُهُمْ
وننفعهم بنعمنا في الدنيا زمانا
قَلِيلًا
وإن طال عمرهم فانّه بالنسبة إلى عمرهم في الآخرة في غاية القصر .
ثمّ يموتون ويعذّبون في البرزخ ، ثم يبعثون من قبورهم إلى المحشر
ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ
ونلجئهم
إِلى
الورود في
عَذابٍ غَلِيظٍ
وعقاب دائم شديد غايته ، فعند ذلك يتبيّن لهم صدقك وكذبهم .
[ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 25 إلى 26 ]
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 25 ) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 26 )
ثمّ نبّه سبحانه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله على أنّ ظهور صدقه لهم لا يتوقّف على البراهين المذكورة ، ولا على مجيء الحشر ، بل هو ظاهر لهم في الدنيا بالفطرة بقوله :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ
يا محمد
مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
بقدرته واللّه
لَيَقُولُنَّ
في جوابك
اللَّهُ
وحده خلقهما ، لغاية وضوح الأمر بحيث اضطرّوا إلى الإقرار به
قُلِ
إذن
الْحَمْدُ لِلَّهِ
على ظهور صدقك ، أو على جعله دلائل