قيل : إنّما وصف المنهيات بمطلق الكراهة مع كون جميعها أو جلّها من أكبر الكبائر ، إيذانا بكفاية مجرّد كراهة اللّه تعالى لشيء في وجوب الالتزام بتركه « 1 » .
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 39 ]
ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً ( 39 )
ثمّ حثّ سبحانه في العمل بالتكاليف المفصّلة بقوله :
ذلِكَ
المذكور من التكاليف
مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ
وما يستقلّ بحسنه وصلاحة العقل السليم ، أو من الأحكام المحكمة التي لا تقبل النّسخ ، أو من الأحكام التي كانت في ألواح موسى ، كما عن بن عباس « 2 » .
ولمّا كانت دليلا على الوحدانية ، ختم سبحانه الأحكام بما بدأها بقوله :
وَلا تَجْعَلْ
أيّها الانسان
مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
تنبيها على أنّ التوحيد أول المقاصد وآخرها ، وأنّ عمدة الغرض منها تكميله .
ثمّ أنّه تعالى بعد التهديد أولا على الشّرك بالعذاب الدنيوي ، هدّد عليه آخرا بالعذاب الأخروي بقوله :
فَتُلْقى
في الآخرة
فِي جَهَنَّمَ
حال كونك
مَلُوماً
عند نفسك وغيرك على ما كنت عليه من الشّرك
مَدْحُوراً
ومطرودا من رحمة اللّه .
عن القمي : المخاطبة للنبي صلّى اللّه عليه وآله ، والمعنى للناس « 3 » .
عن الباقر عليه السّلام - في حديث - « ثم بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وهو بمكة عشر سنين ، فلم يمت بمكة في تلك العشر سنين أحد يشهد أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمدا رسول اللّه إلا أدخله اللّه الجنة بإقراره ، وهو إيمان التصديق ، ولم يعذّب اللّه أحدا ممن مات وهو متّبع لمحمّد صلّى اللّه عليه وآله على ذلك إلّا من أشرك بالرحمن ، وتصديق ذلك أنّ اللّه عز وجل أنزل عليه في سورة بني إسرائيل آية « 4 »
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
إلى قوله :
إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً
« 5 » أدب وعظة وتعلّم ونهي خفيف ، ولم يعد عليه ، ولم يتواعد على اجتراح شيء ممّا نهى عنه ، وأنزل نهيا عن أشياء حذّر عليها ولم يغلظ فيها ، ولم يتواعد عليها ، وقال :
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ
وتلا الآيات إلى قوله :
مَلُوماً مَدْحُوراً
« 6 » .
هامش
( 1 ) . تفسير أبي السعود 5 : 172 ، تفسير روح البيان 5 : 159 .
( 2 ) . تفسير الرازي 20 : 214 ، تفسير أبي السعود 5 : 173 ، تفسير الصافي 3 : 193 .
( 3 ) . تفسير القمي 2 : 20 ، تفسير الصافي 3 : 193 .
( 4 ) . في الكافي وتفسير الصافي : بمكة .
( 5 ) . الإسراء : 17 / 23 - 30 .
( 6 ) . الكافي 2 : 25 / 1 ، تفسير الصافي 3 : 194 ، والآيات من سورة الإسراء : 17 / 31 - 39 .