تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 40 إلى 41 ]

أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً ( 40 ) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ( 41 ) ثمّ أنّه تعالى بعد النهي عن الاشراك ، ذمّ المشركين القائلين بأنّ الملائكة بنات اللّه على هذا القول الفضيع ، وأنكر عليهم بقوله :
أَ فَأَصْفاكُمْ
وخصّكم
رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ
وفضّلكم على نفسه بأفضل الأولاد في اعتقادكم
وَاتَّخَذَ
لنفسه
مِنَ الْمَلائِكَةِ
أولادا
إِناثاً
وبنات مع اعتقادكم بأنهنّ أخسّ الأولاد ، وهذا ممّا تنكره العقول ، فانّ الموالي لا يختارون لأنفسهم الأردأ ويعطون الأجود الأصفى للعبيد
إِنَّكُمْ
أيّها الجهّال الحمقاء ، واللّه
لَتَقُولُونَ
بقولكم : إنّ اللّه اتّخذ لنفسه ولدا ، وهو إناث
قَوْلًا عَظِيماً
وكلاما شنيعا في الغاية ، بحيث لا يقول به من له أدنى مسكة ، لبداهة أن الولادة من خصائص الجسم ، واللّه تعالى مجسّم الأجسام وخالق الوالد والولد ، ولا يعقل أن يكون جسما ، ومن لوازم الحاجة ، وهو تعالى غني بالذات . وعلى فرض المحال لا يمكن أن يختار لنفسه أخسّ الأولاد ، وهو موجد لهم ، فيالها من ضلالة ، وما أقبحها !
وَلَقَدْ صَرَّفْنا
وبيّنا أو كررنا
فِي هذَا الْقُرْآنِ
الحجج والحكم والعبر
لِيَذَّكَّرُوا
وليتنبّهوا ويتدبّروا
وَما يَزِيدُهُمْ
هذا القرآن وتصريف البراهين والمواعظ التي منه
إِلَّا نُفُوراً
واشمئزازا منه ومن الحقّ .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 42 إلى 43 ]

قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً ( 42 ) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً ( 43 ) ثمّ أنّه تعالى بعد النهي عن الشرك ، استدلّ على بطلانه بقوله :
قُلْ
يا محمّد ، للمشركين
لَوْ كانَ مَعَهُ
تعالى
آلِهَةٌ
أخرى من الأصنام والكواكب وغيرها
كَما
هم
يَقُولُونَ :
إنّ للّه شركاء في الألوهية
إِذاً
البتة
لَابْتَغَوْا
ولطلبوا
إِلى
معارضة
ذِي الْعَرْشِ
وخالق الموجودات والغلبة عليه في الألوهية والايجاد والتدبير في العالم
سَبِيلًا
ووسيلة ، كما هو دأب الملوك بعضهم مع بعض ، ولو طلبوا لفسد نظام العالم . وقيل : يعني لطلبوا لأنفسهم إلى التقرّب إليه تعالى سبيلا بتحصيل الكمالات الفائقة والمراتب العالية ، حتى يمكنهم أن يقرّبوكم إليه ويشفعوكم لديه « 1 » . ثمّ نزّه ذاته المقدّسة عن الشرك بقوله :
سُبْحانَهُ وَتَعالى
وتنزّه وارتفع بذاته
عَمَّا يَقُولُونَ
من وجود الشريك والولد له
عُلُوًّا كَبِيراً
وارتفاعا عظيما لا غاية له ، لأنّ المنافاة بين وجوب الوجود
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 20 : 217 .