ثمّ بيّن سبحانه أنّ إلقاءهم إبراهيم عليه السّلام في النّار صار معجزة قاهرة له بقوله :
وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً
ومكرا عظيما في الإضرار به وإهلاكه
فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ
من كلّ خاسر حيث صار سعيهم في إهلاك إبراهيم عليه السّلام بالنار دليلا ظاهرا كالنّار على المنار على رسالته ، و [ صار ] اتّفاقهم على إطفاء نور الحقّ برهانا قاطعا على حقّانيّته .
وقيل : يعني جعلناهم الهالكين بتسليط البعوض عليهم وقتله إيّاهم مع كونه أضعف خلق اللّه تعالى ، وما برح نمرود حتى رأى أصحابه قد أكل البعوض لحومهم ، وشرب دماءهم ، ووقعت بعوضة في منخره ، فلم تزل تأكل منه إلى أن وصلت إلى دماغه ، وكان أكرم الناس عليه الذي يضرب رأسه بمرزبة « 1 » من حديد ، فأقام بهذا الحال نحوا من أربعمائة سنة ثمّ مات ، كذا قيل « 2 » .
ثمّ ذكر سبحانه سائر نعمه العظام على إبراهيم عليه السّلام بقوله :
وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً
الذي هو ابن أخيه ، أو ابن خالته ، من شرّ الكفّار ومجاورتهم مهاجرين من بابل وأرض العراق
إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا
وأكثرنا نعمنا
فِيها لِلْعالَمِينَ
من حيث إكثار المياه والأشجار والثّمار والحطب ، وطيب العيش للغنيّ والفقير ، وبعث الأنبياء ونشر الشّرائع ، وهي أرض الشام .
وعن أبيّ بن كعب : سماها مباركة لأنّه ما من ماء عذب إلّا وينبع أصله من تحت الصّخرة التي ببيت المقدس « 3 » .
قيل : خرج إبراهيم مع لوط وسارة من كوثى ، وهو من بلاد أرض بابل ، مهاجرا إلى ربّه ، وفرارا بدينه ، حتى نزل بحرّان ، فمكث بها ما شاء اللّه ، ثمّ ارتحل منها ونزل بفلسطين ، ثمّ خرج منها مهاجرا حتى قدم مصرا ، ثمّ خرج من مصر وعاد إلى أرض الشام ، ونزل لوط بالمؤتفكة وبعثه اللّه نبيّا إلى أهلها « 4 » .
وفي الحديث : بيت المقدس أرض الحشر والنّشر ، والشام صفوة اللّه من بلاده يجيئ إليها صفوة خلقة « 5 » .
وكان من المنن أنّا أنعمنا على إبراهيم عليه السّلام
وَوَهَبْنا لَهُ
بعد هجرته إلى الأرض المباركة ونزوله فيها
إِسْحاقَ
من صلبه ورحم سارة
وَيَعْقُوبَ
من صلب إسحاق عليه السّلام حال كونه
نافِلَةً
هامش
( 1 ) . المرزبة : عصيّة من حديد ، ومطرقة كبيرة تكسر بها الحجارة .
( 2 ) . تفسير روح البيان 5 : 500 .
( 3 ) . تفسير روح البيان 5 : 501 .
( 4 و 5 ) . تفسير روح البيان 5 : 501 .