العالية .
[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 30 ]
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ( 30 )
ثمّ ذكر سبحانه خيانة النّاس برسوله ، وحفظه منها ليشكر نعمته ، بقوله :
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا
من مشركي قريش
لِيُثْبِتُوكَ
ويوقفوك في موضع لا تقدر [ على ] الخروج منه ،
أَوْ يَقْتُلُوكَ
بأسيافهم
أَوْ يُخْرِجُوكَ
من مكّة إلى غيرها
وَيَمْكُرُونَ
ويدبّرون خفية في شأنك
وَيَمْكُرُ اللَّهُ
ويدبّر في ردّ مكرهم عليهم
وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
لا يردّ مكره شيء ، ولا يعبا بمكر غيره عند مكره .
روت العامّة أنّه لمّا رأت قريش أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قد كانت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم ، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم ، عرفوا أنّهم قد نزلوا دارا وأصابوا سعة ، فحذروا خروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وعرفوا أنّه قد أجمع لحربهم ، فاجتمعوا له في دار الندوة ؛ وهي الدّار التي بناها قصيّ بن كلاب بمكّة ، وكانت قريش لا تقضي أمرا إلّا فيها ، وسمّيت دار النّدوة لأنّهم ينتدون فيها ، أي يجتمعون للمشاورة ، فتشاوروا في أمر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، منهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو جهل ، وأبو سفيان والنّضر بن الحارث ، وأبو البختري بن هشام ، وأبيّ بن خلف ، وزمعة بن الأسود ، وغيرهم من الرّؤساء والأكابر .
فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ كبير عليه ثياب أطمار فجلس بينهم ، فقالوا : ما لك يا شيخ ، دخلت في خلوتنا بغير إذننا ؟ فقال : أنا رجل من أهل نجد قدمت مكّة ، فأراكم حسنة وجوهكم ، طيبة روائحكم ، فأحببت أن أسمع حديثكم فاقتبس منكم خيرا فدخلت ، وإن كرهتم مجلسي خرجت ، وما جئتكم إلّا لأنّي سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضر معكم ، وأن لا تعدموا « 1 » منّي رأيا ونصحا .
فقالوا : هذا رجل لا بأس عليكم منه .
فتكلّموا فيما بينهم ، فبدأ عمرو بن هشام فقال : أمّا أنا فأرى أن تأخذوا محمّدا فتجعلوه في بيت تسدّون عليه بابه ، وتشدّون عليه وثاقه ، وتجعلون له كوّة تدخلون عليه طعامه وشرابه ، فيكون محبوسا إلى أن يموت ، فقال إبليس : بئس الرأي ، يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلّصه من أيديكم ، فقالوا : صدق واللّه الشيخ .
هامش
( 1 ) . في تفسير روح البيان : ولن تعدموا .