فعلت ما عليك ، وبقي ما علينا من تعذيبهم على العناد والإصرار على الكفر .
ثمّ ذمّهم سبحانه بغاية الكفران بقوله :
يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ
عليهم من جميع الوجوه
ثُمَّ يُنْكِرُونَها
ويكفرونها بنسبتها إلى الأصنام وعبادتها ، مع أنّ حقّ معرفة النّعم أن يقرّوا بها ويشكروها بتخليص العبادة للّه وصرفها فيما فيه رضاه ، وقيل : نعمة اللّه نبوة محمّد صلّى اللّه عليه وآله « 1 »
وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ
لتلك النعمة والجاحدون لها .
قيل : نسبة الكفر إلى الأكثر لكون بعضهم جاهلين بصدق النبي صلّى اللّه عليه وآله غير معاندين للحق « 2 » . وقيل : إنّ المراد بالأكثر الجميع « 3 » .
عن الصادق عليه السّلام : « نحن واللّه نعمة اللّه التي أنعم بها على عباده ، وبنا فاز من فاز » « 4 » .
وفي رواية عنه عليه السّلام : « يعني يعرفون ولاية علي عليه السّلام » « 5 » .
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 84 إلى 87 ]
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( 84 ) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 85 ) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ ( 86 ) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 87 )
ثمّ هدّد الكافرين بنعمته بأهوال القيامة بقوله :
وَيَوْمَ نَبْعَثُ
ونحشر
مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ
وجماعة
شَهِيداً
يشهد بإيمان مؤمنيهم وكفر كافريهم
ثُمَّ
بعد الشهادة
لا يُؤْذَنُ
من قبل اللّه
لِلَّذِينَ كَفَرُوا
في الاعتذار عن كفرهم وعصيانهم ، لكذبهم وتمامية الحجّة عليهم
وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
ولا يطلب منهم عمل موجب لرضا ربّهم عنهم وإصلاح ما فسد من أعمالهم ، لكون ذلك اليوم يوم الجزاء لا العمل ، بل يؤمرون بالدخول في النّار
وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
أنفسهم بالكفر والطغيان
الْعَذابَ
الشديد ضجّوا وسألوا تخفيفه
فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ
ثقل العذاب وشدّته
وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
ولا يمهلون ساعة ليستريحوا ، بل يزيد عذابهم مع أصنامهم
وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا
باللّه الشياطين والأصنام التي جعلوها
شُرَكاءَهُمْ
وآلهتهم
قالُوا
إحالة لعذابهم إليها ، أو تعجّبا من حضورها ، أو إظهارا لخطابهم في عبادتها
رَبَّنا هؤُلاءِ
الأصنام
شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا
في الدنيا
هامش
( 1 ) . تفسير البيضاوي 1 : 554 ، تفسير أبي السعود 5 : 134 .
( 2 و 3 ) . تفسير الرازي 20 : 95 .
( 4 ) . تفسير القمي 1 : 388 ، تفسير الصافي 3 : 149 .
( 5 ) . الكافي 1 : 354 / 77 ، تفسير الصافي 3 : 149 .