ثمّ لمّا كانت أرض الحجاز شديدة الحرّ ، استدلّ على توحيده بخلق ما يحفظ به من الحرّ بقوله :
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ
من الأشجار والجبال والغمام
ظِلالًا
يتّقون به حرّ الشمس . القمي ، قال : ما يستظلّ به « 1 » .
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً
ومحافظ من الحرّ كالكهوف والغيران والسّروب « 2 »
وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ
وثيابا من القطن والصوف وغيرهما
تَقِيكُمُ الْحَرَّ
وتحفظكم منه
وَسَرابِيلَ
كالدّروع والجواشن « 3 »
تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ
وتحفظكم من الطّعن والضرب ونحوهما ممّا يضرّكم في الحروب .
قيل : إنّ اللّه تعالى ذكر نعمه الفائضة على جميع الطوائف ، فبدأ بما يخصّ المقيمين حيث قال :
جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً
« 4 » ثمّ بما يختصّ بالمسافرين ممّن لهم قدرة على الخيام وأضرابها حيث قال :
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً
« 5 » ، ثمّ بما يعمّ من لا يقدر على ذلك ولا بما دونه « 6 » إلّا الظّلال حيث قال :
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا
ثمّ بما لا بدّ منه لأحد حيث قال :
وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ
ثمّ بما لا مناصّ عنه في الحرب حيث قال :
وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ
« 7 » .
ثمّ قال :
كَذلِكَ
الإتمام البالغ لنعمه الجسمانية
يُتِمُّ نِعْمَتَهُ
الدنيوية والدينيّة
عَلَيْكُمْ
لتنظروا إليها وتتفكّروا فيها
لَعَلَّكُمْ
تعرفون حقّ منعمها و
تُسْلِمُونَ
وتنقادون لربوبيته وأحكامه ، أو تسلمون من الشرك .
عن ابن عباس : لعلّكم يا أهل [ مكة ] تخلصون للّه الربوبية ، وتعلمون أنّه لا يقدر على هذه الإنعامات أحد سواه « 8 » .
وقيل : يعني أعطيتكم هذه النّعم لتتفكروا فيها فتؤمنوا فتسلموا من عذاب اللّه « 9 » .
فَإِنْ تَوَلَّوْا
يا محمّد ، وأعرضوا عن التفكّر في الآيات والنّعم ، ولم يقبلوا قولك ، وآثروا الدنيا ومتابعة الآباء
فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ
والتبليغ الموضح للحقّ لا إجبارهم على القبول ، وقد
هامش
( 1 ) . تفسير القمي 1 : 388 ، تفسير الصافي 3 : 148 .
( 2 ) . السّروب : جمع سرب ، الحفير تحت الأرض لا منفذ له .
( 3 ) . الجوشن : الدّرع .
( 4 و 5 ) . النحل 16 : 80 .
( 6 ) . في تفسير أبي السعود : ولا يأويه .
( 7 ) . تفسير أبي السعود 5 : 133 .
( 8 ) . تفسير الرازي 20 : 94 .
( 9 ) . تفسير الرازي 20 : 94 .