ثمّ أنّه تعالى بعد بيان فوائد كلمة التوحيد وضرر كملة الشرك بضرب المثل ، أظهر التعجّب من الذين هيّأ لهم أسباب الهداية إلى التوحيد ودين الحقّ ومع ذلك اختاروا الكفر والشّرك بقوله :
أَ لَمْ تَرَ
يا محمّد ، ولم تنظر
إِلَى
المشركين
الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ
التي أنعمها عليهم والهداية التي رزقهم ، ببعث محمّد صلّى اللّه عليه وآله فيهم بالرسالة ، وإنزال القرآن عليهم ، فأبوا عن قبولها ، واختاروا مكانها
كُفْراً
باللّه ووحدانيته .
وقيل : يعني بدّلوا شكر نعمة اللّه كفرا بأن وضعوه مكانه ، أو بدّلوا نفس النعمة كفرا ، فانّهم لمّا كفروها سلبت منهم ، فصاروا فاقدين لها ، وواجدين للكفر بدلها « 1 » .
قيل : نزلت في أهل مكة حيث أسكنهم اللّه حرمه ، وجعلهم قوّام بيته ، ووسّع عليهم أبواب رزقه ، وشرّفهم بمحمد صلّى اللّه عليه وآله فكفروا ذلك وقحطوا سبع سنين ، وقتلوا وأسروا يوم بدر ، فصاروا أذلاء مسلوبي النعمة « 2 » .
وعن أمير المؤمنين عليه السّلام : « هم الأفجران : بنو المغيرة ، وبنو أمية ، أما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر ، وأمّا بنو أمية فمتّعوا إلى حين » « 3 » .
وفي ( المجمع ) : سأل رجل أمير المؤمنين عليه السّلام عن هذه الآية فقال : « هما الأفجران من قريش : بنو أمية ، وبنو المغيرة ، فأمّا بنو أمية فمتعّوا إلى حين ، وأمّا بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر » « 4 » .
وعن الصادق عليه السّلام : « نزلت في الأفجرين من قريش : بنو المغيرة ، وبنو اميّة ، فأمّا بنو المغيرة فقطع اللّه دابرهم [ يوم بدر ] ، وأمّا بنو اميّة فمتّعوا إلى حين » « 5 » .
وَأَحَلُّوا
وأنزلوا
قَوْمَهُمْ
باضلالهم عن الحقّ
دارَ الْبَوارِ
والهلاك ، وهي
جَهَنَّمَ
وهم
يَصْلَوْنَها
ويدخلون فيها مقاسين لحرّها
وَبِئْسَ الْقَرارُ
والمستقرّ جهنّم .
عن الباقر عليه السّلام ، أنّه سئل عن هذه الآية ، فقال : « ما يقولون في ذلك ؟ » قيل : يقولون : هما الأفجران من قريش : بنو اميّة ، وبنو المغيرة . فقال : « هي واللّه قريش قاطبة ، إنّ اللّه تعالى خاطب به نبيّه صلّى اللّه عليه وآله فقال :
إنّي فضلت قريشا على العرب ، وأتممت عليهم نعمتي ، وبعثت إليهم رسولي ، فبدّلوا نعمتي كفرا ، وأحلّوا قومهم دار البوار » « 6 » .
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 4 : 418 .
( 2 ) . تفسير روح البيان 4 : 418 .
( 3 ) . تفسير روح البيان 4 : 418 .
( 4 ) . مجمع البيان 6 : 483 ، تفسير الصافي 3 : 87 .
( 5 ) . تفسير القمي 1 : 371 ، تفسير الصافي 3 : 87 .
( 6 ) . الكافي 8 : 103 / 77 ، تفسير الصافي 3 : 87 .