تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 411

مساهمون:

ص٤١١
حتى بطون الأودية ورؤوس الجبال مدة سبع سنين ، وهو يأمرهم أن يدعوه في سنبله ، وكان يأخذ منهم الخمس ويجعله في الأهراء « 1 » ، وكذا ما زرعه السلطان وأعوانه وخدمه ، ثمّ أقبلت السنون المجدبة ، فحبس اللّه عنهم القطر من السماء ، والنبات من الأرض حتى لم ينبت لهم في جميع أراضي مصر حبّة واحدة « 2 » من المأكولات . قيل : إن زليخا بعد وفاة قطفير زوجها انقطعت عن كلّ شيء وسكنت خرابة سنين كثيرة ، وكانت لها جواهر كثيرة [ جمعت في زمان زوجها ] فإذا سمعت من أحد خبر يوسف أو اسمه ، بذلت منها حبا له حتّى نفدت ، وكانت تبكي شوقا إلى يوسف . ثمّ لمّا اشتدّ حالها لشدائد الخلوة في الخرابة اتخذت بيتا من القصب على الطريق التي هي ممرّ يوسف ، وكان يوسف يركب في بعض الأحيان وله فرس لا يصهل إلّا وقت ركوبه ، ويسمع صهيله على ميلين ، فيعلم الناس بركوبه ، فتقف زليخا على قارعة الطريق ، فإذا مرّ بها يوسف تناديه بأعلى صوتها ، فلا يسمع لكثرة اختلاط أصوات الناس ، فأقبلت يوما على صنمها الذي كانت تعبده ، وقالت له : تبا لك ولمن يسجد لك ، أما ترحم كبري وعماي وفقري وضعفي ، فأنا اليوم كافرة بك ومؤمنة بربّ يوسف ، وصارت تذكر اللّه صباحا ومساء . فبعد ذلك ركب يوسف يوما ، فلمّا صهل فرسه اجتمع الناس للنظر إلى جماله واحتشامه ، فخرجت زليخا من بيتها ، فلمّا مرّ بها يوسف نادت بأعلى صوتها : سبحان من جعل الملوك بمعصيتهم عبيدا ، وجعل العبيد بطاعتهم ملوكا ، فأمر اللّه الريح فألقت كلامها في مسامع يوسف ، فأثّر فيه فبكى ، ثمّ التفت فرآها ، فقال لغلامه : اقض حاجة المرأة : فقال : ما حاجتك ؟ قالت : إنّ حاجتي لا يقضيها إلّا يوسف . فذهب بها إلى دار يوسف . فلمّا رجع يوسف إلى قصره نزع ثياب الملك ، ولبس مدرعة من الشعر ، وجلس في بيت عبادته يذكر اللّه تعالى ، فذكر العجوز ودعا بالغلام وقال له : ما فعلت بالعجوز ؟ فقال : إنّها زعمت أنّ حاجتها لا يقضيها غيرك . فقال : إئتني بها ، فأحضرها فسلمت عليه وهي منكّسة الرأس ، فرقّ لها ، وردّ عليها السّلام ، وقال لها : يا عجوز ، إنّي سمعت منك كلاما فأعيديه . فقالت : إنّي قلت : سبحان من جعل الملوك بمعصيتهم عبيدا ، وجعل العبيد بطاعتهم ملوكا .

في تزويج يوسف بزليخا

فقال : نعم ما قلت ، فما حاجتك ؟ قالت : يا يوسف ، ما أسرع ما نسيتني ! فقال : من
هامش
( 1 ) . الأهراء : جمع هري ، وهو بيت كبير ضخم يجمع فيه طعام السلطان . ( 2 ) . تفسير روح البيان 4 : 283 .