مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ
يجمع اللّه عزّ وجلّ فيه الأوّلين والآخرين » « 1 » .
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 104 إلى 107 ]
وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ( 104 ) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ( 105 ) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ( 106 ) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ( 107 )
ثمّ بيّن سبحانه علّة تأخيره بقوله :
وَما نُؤَخِّرُهُ
لعلّة من العلل
إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ
وانقضاء مدّة قليلة تقتضيها الحكمة البالغة ، فإذا انقضت فلا بدّ من خراب الدّنيا وقيام القيامة ، وكلّ آن قريب .
ثمّ قرّر سبحانه عظمة ذلك اليوم ، بذكر بعض أحواله بقوله :
يَوْمَ يَأْتِ
الأمر المهيب الهائل ، أو ذلك اليوم ؛ بتأويل اليوم المذكور بحين ، إذن
لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ
ولا تنطق فيه بما ينفعها من الاعتذار والشّفاعة والجواب
إِلَّا بِإِذْنِهِ
وإرادته ، أو بترخيصه لها في التكلّم . قيل : إنّه في بعض المواقف « 2 » .
ثمّ بيّن سبحانه أحوال أهل الموقف بقوله :
فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ
وخبيث النّفس والعمل ، مستحقّ للعذاب
وَ
منهم
سَعِيدٌ
طيّب النفس والعمل ، مستحقّ للثّواب والإكرام .
ثمّ كأنّه قيل : ما حالهم وشأنهم ؟ فأجاب تعالى بقوله :
فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ
يدخلون ويستقرّون ، فيشتدّ كربهم وبلاؤهم ، بحيث يكون
لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ
وصوت كصوت الحمار عند ردّ نفسه
وَشَهِيقٌ
وصوت كصوته عند إخراج نفسه .
وقيل : الزّفير في الحلق ، والشّهيق في الصّدر « 3 » .
وقيل : الزّفير الصّوت الشّديد ، والشّهيق الصوت الضّعيف « 4 » .
وقيل : الزّفير ما يجتمع في الصّدر من النفس عند البكاء الشّديد ؛ فينقطع النّفس ، والشهيق هو الصوت الذي يظهر عند اشتداد الكرب والحزن ، وربّما تتبعهما الغشية ، وربّما حصل عقيبهما الموت « 5 » .
والمراد وصف شدّة كربهم وتشبيه حالهم بحال من استولت على قلبه الحرارة ، وانحصر فيه روحه .
وعن ابن عبّاس قال :
لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ
يريد ندامة ، ونفسا عاليا ، وبكاء لا ينقطع ، وحزنا لا يندفع « 6 » .
وقيل : الزّفير لهيب جهنّم ، يرفعهم بقوّته ، حتّى إذا وصلوا إلى أعلى درجات جهنّم وطمعوا في أن
هامش
( 1 ) . الكافي 8 : 73 / 29 ، تفسير الصافي 2 : 472 .
( 2 ) . تفسير أبي السعود 4 : 241 .
( 3 ) . تفسير الرازي 18 : 62 .
( 4 ) . تفسير الرازي 18 : 63 .
( 5 ) . تفسير الرازي 18 : 62 .
( 6 ) . تفسير الرازي 18 : 63 .