تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ
الّذين وعدتك بنجاتهم ؛ لأنّه لم يكن على دينك
إِنَّهُ
بذاته
عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ
وفيه مبالغة في ذمّه . عن الصادق عليه السّلام : « أنّ اللّه قال لنوح عليه السّلام :
إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ
لأنّه كان مخالفا له ، وجعل من اتّبعه من أهله » « 1 » . وفي رواية : « نفاه عنه حين خالفه في دينه » « 2 » . ثمّ أنّه تعالى بعد تنبيه نوح عليه السّلام بخطأه ، وأن ولده كان ممّن سبق عليه القول ، عاتبه على عدم تأمّله في حسن مطلوبه بقوله :
فَلا تَسْئَلْنِي
ولا تطلب منّي عمل
ما لَيْسَ لَكَ بِهِ
وبصلاحه وصوابه
عِلْمٌ
أجد مثل هذا السّؤال [ ليس ] من شأنك الرّفيع ومقامك المنيع عندي ، و
إِنِّي
لحبّي لك وشفقتي عليك
أَعِظُكَ
وأنصحك كراهة
أَنْ تَكُونَ
في آن
مِنَ الْجاهِلِينَ
بعلوّ منزلتك المنافي للسّؤال الذي يكون تركه أولى وأفضل ، فإنّ حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين .
قالَ
نوح معتذرا من تركه الأولى ، ومستغفرا من زلّته :
رَبِّ إِنِّي
لا أملك لنفسي أن أحفظها من مثل هذه الزلّات ، و
أَعُوذُ بِكَ
وألتجئ إليك وإلى حفظك في بقيّة عمري من
أَنْ أَسْئَلَكَ
فيما بعد
ما لَيْسَ لِي
برضاك
بِهِ
وما صوّبته « 3 » عندك
عِلْمٌ
فضلا عمّا أعلم فساده وعدم رضاك به ، فاغفر لي ما صدر منّي
وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي
زلّتي
وَتَرْحَمْنِي
بقبول توبتي ومعذرتي
أَكُنْ
ألبتّة
مِنَ الْخاسِرِينَ
أعمالا ، فإنّ الانصراف عن شكر نعمك ، والاشتغال بما ليس فيه رضاك ؛ كطلب نجاة من يستحقّ العذاب ، خسران ظاهر ، وغبن فاحش . وفيه غاية التّذلّل والاستكانة .

[ سورة هود ( 11 ) : آية 48 ]

قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ( 48 ) وإنّما أخّر سبحانه ذكر نداء نوح عليه السّلام عن ذكر زوال الطّوفان مع كونه في بدوه ، رعاية للتّرتيب بين توبته واعتذاره ، وبين إظهار غاية لطفه به بأمره تعالى بنزوله من الفلك بسلام وبركات عليه وعلى أتباعه بقوله :
قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ
وانزل من الفلك على الأرض متلبّسا
بِسَلامٍ
وأمّن من الآفات والمكاره ، وحفظ كامل كائن
مِنَّا
أو تحيّة عظيمة من قبلنا
وَبَرَكاتٍ
كثيرة وخيرات نامية فائضة
عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ
وجماعات كثيرة مؤمنة متولّدة ومنشعبة
مِمَّنْ مَعَكَ .
هامش
( 1 ) . تفسير العياشي 2 : 312 / 2028 ، عيون أخبار الرضا عليه السّلام 2 : 75 / 3 ، مجمع البيان 5 : 253 ، تفسير الصافي 2 : 450 . ( 2 ) . تفسير العياشي 2 / 312 / 2028 ، عيون أخبار الرضا عليه السّلام 2 : 76 / 3 ، تفسير الصافي 2 : 451 . ( 3 ) . كذا ، والظاهر صوابيّته .