ففرّقوا بين النّساء وأولادهنّ ، وبين البقر وأولادها ، ولبسوا المسوح والصّوف ، ووضعوا الحبال في أعناقهم والرّماد على رؤوسهم ، وضجّوا ضجّة واحدة إلى ربّهم ، وقالوا : آمنّا بإله يونس ، فصرف اللّه عنهم العذاب ، وأصبح يونس وهو يظنّ أنّهم هلكوا ، فوجدهم في عافية » « 1 » .
وعن الصادق عليه السّلام أنّه سئل : لأيّ علّة صرف اللّه العذاب عن قوم يونس ؛ وقد أظلّهم ، ولم يفعل كذلك بغيرهم من الأمم ؟ » قال : « لأنّه كان في علم اللّه أنّه سيصرفه عنهم يلتوبتهم ، وإنّما ترك إخبار يونس عليه السّلام بذلك لأنّه عزّ وجلّ أراد أن يفرّغه لعبادته في بطن الحوت ، فيستوجب بذلك ثوابه وكرامته » « 2 » .
وعنه عليه السّلام : « أنّ جبرئيل عليه السّلام استثنى في هلاك قوم يونس ، ولم يسمعه يونس عليه السّلام » « 3 » .
[ سورة يونس ( 10 ) : آية 99 ]
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 99 )
ثمّ أنّه تعالى بعد حكاية عدم نفع جهد يونس في إيمان قومه ، وإنّما هم آمنوا أخيرا بتوفيق اللّه ، بيّن أنّ إيمان جميع النّاس منوط بمشيئته وتوفيقه ، لا بجهد الرّسل في إيمانهم وإكراههم لهم ؛ بقوله :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ
إيمان النّاس بالإكراه والاضطرار
لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ
بحيث لا يشذّ منهم أحد حال كونهم
جَمِيعاً
ومتّفقين عليه . ولكن لم يشأ ذلك لمنافاته للحكمة البالغة التي عليها أساس التّكوين والتّشريع ، بل مقتضى الحكمة أن يشاء لهم ما يشاءون لأنفسهم من الكفر والإيمان ، حسب اقتضاء طينتهم ، تكميلا لحكم القبضتين ، وتحصيلا لأهل النّشأتين .
فإذا كان الأمر كذلك
أَ فَأَنْتَ
يا محمّد
تُكْرِهُ النَّاسَ
على الإيمان الذي لم يشأ اللّه إكراههم عليه
حَتَّى يَكُونُوا
بإكراهك عليه
مُؤْمِنِينَ
ليس ذلك عليك ولا مقدورك ، إنّما عليك البلاغ والإنذار والنّصح .
وفيه دلالة على كمال حرصه على إيمان قومه ، وتسلية قلبه الشّريف بقطع رجائه في إيمان جميعهم .
[ سورة يونس ( 10 ) : آية 100 ]
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ( 100 )
هامش
( 1 ) . تفسير العياشي 2 : 294 / 1981 ، تفسير الصافي 2 : 426 .
( 2 ) . علل الشرائع : 77 / 1 ، تفسير الصافي 2 : 426 .
( 3 ) . تفسير القمي 2 : 74 ، تفسير الصافي 2 : 427 .