تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
مطمئنّين ، قال يونس لتنوخا : كذّبني الوحي ، وكذب وعدي لقومي ، لا وعزّة ربّي لا يرون لي وجها أبدا بعد ما كذّبني الوحي . فانطلق يونس عليه السّلام هاربا على وجهه مغاضبا لربّه ناحية بحر إيلة ، متنكّرا فرارا من أن يراه أحد من قومه فيقول له : يا كذّاب ، فلذلك قال اللّه :
وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ . . .
« 1 » الآية ، ورجع تنوخا إلى إي القرية فلقي روبيل ، فقال له : يا تنوخا ، أيّ الرأيين كان أصوب وأحقّ ، رأيي أو رأيك ؟ فقال تنوخا : بل رأيك كان أصوب ، ولقد كنت أشرت برأي العلماء والحكماء . وقال تنوخا : أما إنّي لم أزل أرى أنّي أفضل منك لزهدي وفضل عبادتي ، حتّى استبان فضلك بفضل علمك ، وما أعطاك ربّك من الحكمة مع التقوى أفضل من الزّهد والعبادة بلا علم . فاصطحبا فلم يزالا مقيمين مع قومهما . ومضى يونس على وجهه مغاضبا لربّه ، فكان من قصّته ما أخبر اللّه به في كتابه :
فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ »
« 2 » . قال أبو عبيدة : قلت لأبي جعفر عليه السّلام : كم كان غاب يونس عن قومه حتى رجع إليهم بالنبوّة والرّسالة ، فآمنوا به وصدّقوه ؟ قال : « أربعة أسابيع ؛ سبعا منها في ذهابه إلى البحر ، وسبعا في بطن الحوت ، وسبعا تحت الشجرة بالعراء ، وسبعا منها في رجوعه إلى قومه » . فقلت له : وما هذه الأسابيع ، شهور أو أيام أو ساعات ؟ فقال : « يا أبا عبيدة ، إنّ العذاب أتاهم يوم الأربعاء في النّصف من شوّال ، وصرف عنهم من يومهم ذلك ، فانطلق يونس عليه السّلام مغاضبا فمضى يوم الخميس ، سبعة أيام في مسيرة إلى البحر ، وسبعة أيام في بطن الحوت ، وسبعة أيّام تحت الشجرة بالعراء ، وسبعة أيّام في رجوعه إلى قومه ، فكان ذهابه ورجوعه [ مسير ] ثمانية وعشرين يوما . ثمّ أتاهم فأمنوا به وصدّقوه واتّبعوه ، فلذلك قال اللّه :
فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ »
« 3 » . أقول : في الرّواية إشكالات غامضة لا تنحلّ إلّا بارتكاب التأويل في ظواهرها ، والتكلّف في توجيهها ، بما لا ينافي عصمة الأنبياء ، وكونهم أعقل امّتهم ، وأعلمهم ، وأطوعهم لأوامر اللّه ، وأسلمهم لمرضاته . وعنه عليه السّلام : « أنّ يونس لمّا آذاه قومه دعا اللّه عليهم ، فأصبحوا أوّل يوم ووجوههم صفر ، وأصبحوا اليوم الثاني ووجوههم سود . قال : وكان اللّه وأعدهم أن يأتيهم العذاب ، فأتاهم حتّى نالوه برماحهم ،
هامش
( 1 ) . الأنبياء : 21 / 87 . ( 2 ) . الصافات : 37 / 148 . ( 3 ) . تفسير العياشي 2 : 285 / 1979 ، تفسير الصافي 2 : 421 .