تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
ثمّ بشّر سبحانه المهاجرين والأنصار والتّابعين لهم بإحسان برضائه عنهم بقوله :
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
بقبول طاعتهم وأعمالهم
وَرَضُوا عَنْهُ
بما نالوا من نعمه الدّنيويّة والاخرويّة . قال الفخر الرّازي : فإذا ثبت هذا يعني كون أبي بكر من السّابقين إلى الهجرة ، صار محكوما عليه بأنّه رضي اللّه عنه ورضي هو عنه ، وذلك في أعلى الدّرجات من الفضل ، فإذا ثبت هذا وجب أن يكون إماما حقّا بعد الرّسول ، إذ لو كانت إمامته باطلة لاستحقّ اللّعن والمقت ، وذلك ينافي مثل هذا التّعظيم ، فصارت هذه الآية من أدلّ الدلائل على فضل أبي بكر وعمر ، وصحّة إمامتهما . ثمّ أورد على نفسه : بأنّه لم قلتم أنّه بقي على تلك الحالة ، ولم لا يجوز أن يقال أنّه تغيّر عن تلك الحالة ، وزالت عنه تلك الفضيلة ، بسبب إقدامه على الإمامة « 1 » . ثمّ أجاب عنه : بأنّ قوله تعالى :
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ
يتناول جميع الأوقات والأحوال ؛ بدليل أنّه لا وقت ولا حال إلّا ويصحّ استثناؤه منه ، فيقال :
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
إلّا في وقت طلب الإمامة ، ومقتضى الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت اللّفظ « 2 » . أقول : فيه أنّ الظاهر من الآية رضاؤه تعالى عنهم في أوّل إيمانهم وهجرتهم ، وإنّه باق ما لم يصدر منهم ما يوجب الغضب والسّخط ، ولولا ذلك لزم القول برضائه تعالى عن عمر وعثمان حين فرارهما من الزّحف يوم أحد ، وكون فرارهما حقّا ، ولازم ذلك كون ثبات الرّسول صلّى اللّه عليه وآله فيه باطلا ، وعن جميع الصّحابة حين مخالفتهم الرّسول صلّى اللّه عليه وآله ومعارضتهم له يوم الحديبية . ومع القول بذلك لا معنى لقوله تعالى :
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ
« 3 » لأنّ رضاءه حصل ولم يزل ، فكان الإخبار بحدوثه بعد البيعة إخبارا بحصول ما كان حاصلا ، ولزم القول برضائه تعالى عن الزّبير حين خروجه من بيت أمير المؤمنين عليه السّلام بالسّيف ، يوم اجتماع النّاس على بابه لإخراجه إلى بيعة أبي بكر ، وكونه حقّا ، فكانت إمامة أبي بكر وبيعته باطلتين . وأيضا لزم كون قتال طلحة والزّبير مع أمير المؤمنين عليه السّلام حقّا ، ولا يقول به مسلم ، وكون تخلّف كثير من الصّحابة والسّابقين الأوّلين - كسعد بن عبادة وأضرابه ، عن بيعة أبي بكر ، واجتماعهم على قتل عثمان - حقّا ، فكانت « 4 » إمامة أبي بكر وعثمان باطلة خصوصا بناء على ما قاله أكثر مفسّري العامّة من أنّ الآية تتناول جميع الصّحابة ؛ لأنّ جميعهم موصوفون بكونهم سابقين أوّلين بالنّسبة إلى سائر المسلمين « 5 » .
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 16 : 169 . ( 2 ) . تفسير الرازي 16 : 170 . ( 3 ) . الفتح : 48 / 18 . ( 4 ) . في النسخة : فكان . ( 5 ) . تفسير الرازي 16 : 171 .