تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
يبكيان ، فقال : يا رسول اللّه ، أخبرني ، فإن أجد بكاء أبكي وإلّا تباكيت ، فقال : « أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ، ولقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة » « 1 » . وروي أنّه صلّى اللّه عليه وآله قال : « لا تخرجوا أحدا منهم إلّا بفداء ، أو بضرب عنق » ، فقال ابن مسعود : إلّا سهيل « 2 » بن بيضاء ، فإنّي سمعته يذكر الإسلام ، فسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله واشتدّ خوفي ، ثمّ قال من بعد : « إلّا سهيل بن بيضاء » « 3 » . وعن ابن سيرين : كان فداؤهم مائة أوقية « 4 » . ونقل : أنّ الأسرى منهم من فدي ، ومنهم من قتل ، ومنهم من خلّي سبيله من غير فداء ، ومنهم من مات « 5 » . ثمّ لا مهم سبحانه على أخذ الفداء بقوله :
تُرِيدُونَ
أيّها المؤمنون بأسرهم وأخذ الفداء منهم
عَرَضَ الدُّنْيا
وزخارفها التي تزول ولا تبقى
وَاللَّهُ يُرِيدُ
لكم
الْآخِرَةَ
وثوابها الذي يكون قليله خيرا من الدّنيا وما فيها ، فعليكم بطلب الآخرة
وَاللَّهُ عَزِيزٌ
وقادر يجمع لكم الدّنيا والآخرة ، ويغلّبكم على أعدائكم
حَكِيمٌ
بحكمته يدبّر مصالح عباده وأوليائه . قيل : إنّ اللّه أمرنا بالإتخان ومنع عن الافتداء حين كانت الشّوكة للمشركين ، ولمّا تحوّلت الحال وصارت الغلبة للمسلمين ، خيّر بين المنّ والفداء « 6 » .

في الردّ على القول بعمل الأنبياء باجتهاد

قال بعض العامّة : الآية دالّة على أنّ الأنبياء مجتهدون ، لأنّ اللّوم لا يكون على ما صدر عن الوحي ، ولا على فعل ما هو صواب ، بل يكون على ما كان خطأ « 7 » . وفيه : أنّه بعد ما ثبت عصمة النبيّ بالأدلّة العقليّة والنقليّة عن الخطأ لا يمكن نسبته إليه ، فلا بدّ من القول بأنّه صلّى اللّه عليه وآله كان عالما بخطأ الصّحابة في الإصرار بأخذ الفداء ، ولكنّه صلّى اللّه عليه وآله لمّا كان رحمة للعالمين كان مأمورا بموافقتهم وعدم تخطئتهم ، كي تنزل آية فيها تخطئتهم والعتاب عليهم ، ويظهر للمسلمين أنّ أبا بكر وأضرابه كانوا طالبين للدّنيا دون الآخرة .

[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 68 إلى 71 ]

لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 68 ) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 69 ) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 70 ) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 71 )
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 15 : 197 ، تفسير روح البيان 3 : 372 . ( 2 ) . في النسخة : إسماعيل ، وكذا ما بعدها . ( 3 و 4 ) . تفسير الرازي 15 : 198 . ( 5 و 6 و 7 ) . تفسير روح البيان 3 : 373 .