تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 147 إلى 148 ]

وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 147 ) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 148 ) ثمّ أنّه تعالى - بعد بيان كمال استقامتهم على الدّين ، وشدّة ثباتهم في الجهاد ونصرة النّبيّين ، وقوّة صبرهم على الشدائد والأهوال - بيّن أنّهم مع ذلك لا همّ لهم ولا مطلوب بعد المغفرة عندهم ، إلّا ازدياد الثّبات والصّبر ، والغلبة على أعداء الحقّ بقوله :
وَما كانَ
في حال من الأحوال أو عند لقاء العدوّ ، واقتحام مضائق الحرب ، والخوض في غمرات الموت
قَوْلَهُمْ
ومسؤولهم شيئا من الأشياء
إِلَّا أَنْ قالُوا
متضرّعين إلى مليكهم اللّطيف بهم
رَبَّنَا
ويا من إليه تربية نفوسنا ، وإصلاح جميع أحوالنا وأمورنا
اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا
صغائرها وكبائرها ثمّ بعد التّعميم خصّوا الكبائر بالذّكر لعظمها بقولهم :
وَإِسْرافَنا
وتجاوزنا عن حدودك
فِي أَمْرِنا
وعملنا . وإنّما أضافوا إلى أنفسهم الإسراف مع كونهم ربّانيّين برآء من التّفريط ، استحقارا لها ، وإسنادا لما أصابهم إلى أعمالهم ، وإنّما قدّموا الدّعاء بالمغفرة لكون النّجاة من سخط اللّه وعذابه أهمّ المقاصد في نظرهم . ثمّ الأهمّ ما سألوه بقولهم :
وَثَبِّتْ
بتأييدك لنا ، وتقوية قلوبنا ويقيننا
أَقْدامَنا
على دينك القويم وصراطك المستقيم ، وفي مجاهدة النّفس ، ومدافعة الشّيطان الرّجيم ، ونصرة الأنبياء ، ومنازلة الأعداء
وَانْصُرْنا
بالحجّة والسّيف
عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
حتّى تعلو كلمتك ، وتتمّ حجّتك . ففيه دلالة على أنّ المقصد الأعلى عند المؤمنين مغفرة الذّنوب ، والثّبات على الدّين ، ونصرة الحقّ . وفيه تعريض بالمنهزمين والمرتدّين في أحد .
فَآتاهُمُ اللَّهُ
وأعطاهم بسبب حسن حالهم ، وكمال ضراعتهم
ثَوابَ الدُّنْيا
من انشراح الصّدر ، وقوّة اليقين ، والنّصرة على أعداء الدّين والغنيمة ، وحسن الذّكر بين المؤمنين
وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ
من الجنّة العالية ، والنّعم الباقية ، واللّذّات الدّائمة ، والحور والقصور ، والكرامة والسّرور . وإنّما خصّ اللّه سبحانه ثواب الآخرة بالحسن ، للإيذان بفضله ومزيّته على الدّنيا وما فيها
وَاللَّهُ
تعالى لكونه حسن الصّفات والفعال
يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
ويرضى عنهم ، ويزيد لهم خير الدّارين . ففيه دلالة على أنّهم بلغوا - بثباتهم في الدّين ، وخضوعهم لربّ العالمين وعدّ أنفسهم في المذنبين والمسرفين - إلى درجة المقرّبين ، والعباد المرضيّين .