ثمّ قيل : إنّه لمّا رجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأصحابه إلى المدينة ، وقد أصابهم ما أصابهم من الجراح والمصيبة قال ناس من أصحابه : من أين أصابنا هذا ، وقد وعدنا اللّه النّصر ؟ فأنزل اللّه تعالى :
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ
وأنجز لكم
وَعْدَهُ
إيّاكم بالنّصر والغلبة على لسان نبيّه صلّى اللّه عليه وآله ، ولكن كان ذلك الوعد مشروطا بالتّقوى والصّبر ، وأنتم ما دمتم على طاعة الرّسول صلّى اللّه عليه وآله نصرتم وغلّبتم على المشركين
إِذْ تَحُسُّونَهُمْ
وتقتلونهم قتلا ذريعا بتيسير اللّه و
بِإِذْنِهِ
وتأييده .
روي أنّ المشركين لمّا أقبلوا جعل الرّماة من المسلمين يرشقونهم بالنّبل ، والباقون يضربونهم بالسيف ، وقتل عليّ عليه السّلام طلحة بن أبي طلحة كبش قريش ، وتسعة من أصحاب لوائهم فانهزم المشركون ، والمسلمون على آثارهم يقتلونهم قتلا ذريعا .
فكأنّه قال سبحانه : كنتم على هذه الحالة من النّصر والغلبة
حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ
وضعفتم رأيا في طاعة الرّسول صلّى اللّه عليه وآله ؛ لغلبة الحرص على الغنيمة ، وملتم إليها
وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ
من الثّبات والإقامة في المركز ، والذّهاب لأخذ الغنيمة .
روي أنّ بعض الرّماة - حين انهزم المشركون وولّوا هاربين ، والمسلمون على أعقابهم ضربا وقتلا - قالوا : فما موقفنا هنا بعد هذا ؟ وقال أميرهم عبد اللّه بن جبير : لا تخالفوا أمر الرّسول صلّى اللّه عليه وآله ، فإنّه قال :
« لا تبرحوا مكانكم ، فإنّا لا نزل غالبين ما دمتم في هذا المكان » فثبت عبد اللّه في نفر دون العشرة في مكانه ، ونفر الباقون للنّهب .
وإليه أشار سبحانه بقوله :
وَعَصَيْتُمْ
اللّه ورسوله
مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ
اللّه تعالى
ما تُحِبُّونَ
من الظّفر والغنيمة ، وانهزام العدوّ . وقد مرّ أنّه لمّا رأى المشركون قلّة الرّماة في الشّعب حملوا عليهم ، وقتلوا أمير الرّماة ومن معه .
ثمّ حملوا على المسلمين من ورائهم ، فظهرت سرائر القوم كما بيّنها سبحانه بقوله :
مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا
وهم الّذين خالفوا أمر الرّسول صلّى اللّه عليه وآله ، وتركوا المركز طمعا في الغنيمة ، وأقبلوا على النّهب .
عن ابن مسعود رضى اللّه عنه قال : ما علمت أنّ أحدا منّا يريد الدّنيا حتّى نزلت هذه الآية « 1 » .
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
بجهاده ، وهم الّذين ثبتوا على طاعة الرّسول صلّى اللّه عليه وآله ولم يخلوا مراكزهم
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 2 : 110 .