تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
ثمّ أنّه تعالى - بعد تحقيق أنّ الحياة والموت دائران مدار إرادة اللّه ومشيئته ، وليس لغيره فيهما مدخل وصنع - بيّن أنّ ثواب الجهاد وسائر الأعمال دائر مدار نيّة العبد وإرادته ، بقوله :
وَمَنْ يُرِدْ
بجهاده وسائر عباداته
ثَوابَ الدُّنْيا
من الغنيمة وحسن الذّكر
نُؤْتِهِ
ونوفّه نصيبه
مِنْها
على حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة . عن أبي هريرة : عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « أنّ اللّه تعالى يقول يوم القيامة لمقاتل في سبيل اللّه : في ما ذا قتلت ؟ فيقول : أمرت بالجهاد في سبيلك ، فقاتلت حتّى قتلت ، فيقول تعالى : كذبت ، بل أردت أن يقال : فلان محارب « 1 » ، ثمّ أنّ اللّه تعالى يأمر به إلى النّار » وفيه تعريض لمن شغلتهم الغنائم يوم أحد عن الجهاد .
وَمَنْ يُرِدْ
ويطلب بجهاده ، أو بجميع أعماله الحسنة
ثَوابَ الْآخِرَةِ
من الجنّة ، والرّحمة المتّصلة ، والنّعم الدّائمة
نُؤْتِهِ
ونوفّه حظّا وافرا
مِنْها
على حسب أهليّته واستحقاقه ، وقابليّته للتّفضّل ، ومرتبة خلوصه في النيّة . وفيه دلالة على أنّ الأعمال الخيريّة لا تخلو عن الأجر والثّواب إمّا الدّنيوي وإمّا الأخروي . ثمّ أكدّ اللّه الوعد بقوله :
وَسَنَجْزِي
عن قريب جزاء جزيلا لا يسعه البيان ، ولا يحويه الكلام
الشَّاكِرِينَ
لنعمه ، من القوى والصّحّة ، وتوفيق الهداية إلى الإسلام ، والعلم بالمعارف والأحكام وغيرها ، بصرف ما آتاهم اللّه في مرضاته وطاعته ، لا يصرفهم عن ذلك صارف أبدا ، فيدخل فيهم المجاهدون والشّهداء .

في ذكر معجزة للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله

عن ( المجمع ) : عن الباقر عليه السّلام : « أنّه أصاب عليّا صلّى اللّه عليه وآله يوم أحد ستّون جراحة ، وأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أمر أمّ سليم وامّ عطية أن تداوياه فقالتا : إنّا لا نعالج منه مكانا إلّا انفتق منه مكان ، وقد خفنا عليه ، ودخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله والمسلمون يعودونه وهو قرحة واحدة ، فجعل يمسحه بيده ويقول : إنّ رجلا لقي هذا في اللّه ، فقد أبلى وأعذر ، فكان القرح الذي يمسحه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يلتئم ، فقال عليّ عليه السّلام : الحمد للّه ، إذ لم أفرّ ، ولم أولّي الدّبر ، فشكر اللّه له ذلك في موضعين من القرآن ، وهو [ قوله :
وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ
« 2 » من الرزق في الدّنيا ]
وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ »
« 3 » .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 146 ]

وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ( 146 )
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 9 : 25 ، تفسير روح البيان 2 : 106 . ( 2 ) . آل عمران : 3 / 144 . ( 3 ) . مجمع البيان 2 : 852 ، تفسير الصافي 1 : 359 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 97 | الشيخ محمد النهاوندي