ثمّ ذكّر اللّه شدّه اهتمام المؤمنين من الأمم السّابقة في جهاد الكفّار ، ونصرة أنبيائهم ودينهم ، وتحمّلهم الشّدائد في ذلك ، تقريعا للمنهزمين في أحد على تقصيرهم في الجهاد ونصرة الإسلام ، وسوء صنيعهم مع الرّسول صلّى اللّه عليه وآله بقوله :
وَكَأَيِّنْ
قال جمع من المفسرين : إنّ هذه الكلمة مستعملة في الكثير « 1 » ، فيكون المعنى : وكم
مِنْ نَبِيٍّ
من الأنبياء في القرون السّابقة قاتل أعداء الدّين ، لترويج دينه ، وإعلاء كلمة الحق ، و
قاتَلَ مَعَهُ
وجاهد الكفّار ، مصاحبا له
رِبِّيُّونَ
وعلماء أتقياء
كَثِيرٌ !
وقيل : إنّ المراد من ( الرّبّيّون ) الجموع الكثيرة « 2 » .
وعن ( المجمع ) : عن الباقر عليه السّلام : « الرّبّيّون : عشرة آلاف « 3 » » .
وعن الصادق عليه السّلام قال : « ألوف وألوف » « 4 » .
فَما وَهَنُوا
في منازلة الأعداء ، وما فتروا في مقاتلة الكفّار
لِما أَصابَهُمْ
من البلايا والشّدائد ، ولكثرة ما نالهم من القتل والجرح
فِي سَبِيلِ اللَّهِ
ولإعلاء كلمته ، وإعزاز دينه ، وطلب مرضاته
وَما ضَعُفُوا
في دينهم وعقائدهم ، وما تقاعدوا عن مقاتلة أعدائهم
وَمَا اسْتَكانُوا
وما خضعوا عندهم لطلب الصّلح والمداهنة .
فإذا كانت سيرة المؤمنين بسائر الأنبياء ، ودأب أتباعهم ذلك ، فلا ينبغي لكم الوهن في الجهاد ، والضّعف في الإيمان ، والفرار من الزّحف ، بل الارتداد عن الإسلام وأنتم أتباع خاتم النّبيّين .
وفيه تعريض عليهم بقولهم : لو كان محمّد نبيّا لما ورد عليه ما ورد . وباستكانتهم لعدوّهم حيث قالوا : ليت ابن أبيّ يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان .
وعن ( المجمع ) : عن الباقر عليه السّلام : « بيّن اللّه سبحانه أنّه لو كان قتل كما أرجف بذلك يوم أحد لما أوجب ذلك أن يضعفوا أو يهنوا ، كما لم يهن من كان مع الأنبياء بقتلهم » « 5 » .
أقول : هذا التّفسير مبنيّ على قراءة ( قتل معه ) « 6 » كما هي مرويّة عن الصادق عليه السّلام « 7 » .
ثمّ بشّر سبحانه أهل الثّبات في الجهاد ، بل مطلق الصّابرين على الطّاعات بقوله :
وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ
على ما أصابهم من البأساء والضّرّاء ، في سبيله ومرضاته ، والمحتبسين أنفسهم على طاعته . فعليه تعالى أن يكرمهم إكرام الأحبّاء ، ويجزيهم في الدّنيا والآخرة أحسن الجزاء .
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 9 : 26 ، تفسير أبي السعود 2 : 95 ، تفسير روح البيان 2 : 106 .
( 2 و 3 ) . مجمع البيان 2 : 854 ، تفسير الصافي 1 : 360 .
( 4 ) . تفسير العياشي 1 : 342 / 793 ، تفسير الصافي 1 : 360 .
( 5 ) . مجمع البيان 2 : 854 ، تفسير الصافي 1 : 360 .
( 6 ) . في المصحف الشريفقاتَلَ مَعَهُ.
( 7 ) . تفسير العياشي 1 : 342 / 793 ، تفسير الصافي 1 : 360 .