تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 631

مساهمون:

ص٦٣١
ثمّ عزّى نفسه بأنّهم أهلكوا أنفسهم بسوء اختيارهم وإصرارهم على الكفر ، ومشاقّة اللّه ورسوله ، فليسوا بأهل لأن يأسى ويحزن عليهم ، ثمّ بيّن اللّه تعالى غاية لطفه بعباده ، وأنّه لا يكتفي في هدايتهم بإرسال الرّسل ، بل كان يوجد لهم منبّهات اخر بقوله :
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ
ومحلّة قوم ، بلدا كانت أو رستاقا « 1 »
مِنْ نَبِيٍّ
منذر لهدايتهم ، فكذّبه أهلها
إِلَّا أَخَذْنا
وابتلينا
أَهْلَها
وساكنيها
بِالْبَأْساءِ
والشّدائد من الفقر والفّاقة
وَالضَّرَّاءِ
من الأمراض والأوجاع . وقيل في تفسيرهما على العكس ؛ لأجل أنّه
لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ
ورجاء أنّهم يخشعون لنا وينقادون لأوامرنا ، فإنّ البلايا من الفقر والمرض ترقّ القلوب وتؤثّر الانكسار والتّواضع في النّفوس .
ثُمَّ
إذا لم يتأدّبوا بالبلاء
بَدَّلْنا
ما كان من حالهم بأن أعطيناهم
مَكانَ السَّيِّئَةِ
والبليّة التي كانت أصابتهم
الْحَسَنَةَ
من الرّخاء والسّعة والصحّة ، لتدعوهم النّعمة بعد النّقمة والرّخاء بعد الشدّة إلى الشّكر والخضوع والطّاعة ، فلم ينفعهم ذلك وبقوا على كفرهم وطغيانهم
حَتَّى عَفَوْا
وكثروا عددا وعدة ونعمة
وَقالُوا
جهلا بأنّ الشّدائد كانت لتأديبهم ، والإحسان إليهم بالنّعم كان لتنبيههم : إنّ هذه التّغييرات من عادة الزمان في أهله ، و
قَدْ مَسَّ
وأصاب
آباءَنَا
وأجدادنا في سالف الزّمان البأساء مرّة ، و
الضَّرَّاءُ
أخرى
وَالسَّرَّاءُ
من النّعمة والرّخاء ثالثة ، فلم ينتقلوا عمّا كانوا عليه ، فكونوا أنتم كما كان آباؤكم . فلمّا لم ينتفعوا بتلك الأحوال المختلفة ، ولم ينقادوا ، بل اصرّوا على ما هم عليه من الكفر والطّغيان وتكذيب الرّسل
فَأَخَذْناهُمْ
بالعذاب
بَغْتَةً
وفجأة
وَهُمْ
حال نزوله
لا يَشْعُرُونَ
به ولا يحتملون ابتلاءهم به ، فكان عذابهم لعدم انتظارهم له أشدّ عليهم نكالا وأعظم حسرة .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 96 ]

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 96 ) ثمّ دعا سبحانه النّاس إلى الإيمان ورغّبهم فيه بتنبيههم على فوائده بقوله :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى
المهلكة بكفرهم وعصيانهم
آمَنُوا
بي وبوحدانيّتي ، وصدّقوا رسلي الّذين أرسلناهم إليهم لهدايتهم ، بدل كفرهم وتكذيبهم
وَاتَّقَوْا
المعاصي والسيّئات بدل ارتكابهم لها وانغمارهم فيها ، واللّه
لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ
كثيرة
مِنَ السَّماءِ
بالأمطار النافعة
وَ
من
الْأَرْضِ
بإنبات النّباتات الكثيرة والثّمار والزّروع ، وإكثار المواشي وإدامة الأمن والسّلامة ، ولوسّعنا عليهم جميع
هامش
( 1 ) . الرّستاق : معرّب « روستاه » وهي القرية بالفارسية .