تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 629

مساهمون:

ص٦٢٩
تبعا لك
مِنْ قَرْيَتِنا
وبلدنا بغضا لكم ، وتخلّصا من زحمتكم وفتنتكم
أَوْ لَتَعُودُنَّ
ولترجعنّ
فِي مِلَّتِنا
من عبادة الأصنام . وإنّما عبّروا عن الدخول في ملّتهم بالعود - مع أنّ شعيبا لم يكن على ملّتهم قطّ ، لعدم جواز الكفر على الأنبياء - لاعتقادهم في حقّه الكفر قبل إظهاره الدّعوة إلى التّوحيد . فلمّا سمع شعيب منهم هذا الكلام الشّنيع
قالَ
إنكارا عليهم وتعجّبا من قولهم : أنعود
أَ وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ
لملّتكم ، متنفّرين من الدّخول في دينكم ؟ ! لا يكون ذلك أبدا ، فإنّه بعد حكم العقل الفطري بالتّوحيد ، وشهادة جميع الموجودات ، وانتظام العالم أحسن نظام ، واتّفاق جميع الأنبياء من أوّل الدّنيا عليه ، وعلى بطلان الشّرك وعبادة الأصنام
قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً
عظيما
إِنْ
أشركنا و
عُدْنا
كما تزعمون
فِي مِلَّتِكُمْ
الباطلة ، وقلنا بأنّ اللّه اتّخذ لنفسه ندّا
بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها
بتكميل عقولنا ، وتهذيب أخلاقنا ، وإلهامه إيّانا أنّه ليس كمثله شيء ، وأنّ الأصنام لا تضرّ ولا تنفع . ثمّ بالغ في الإنكار بقوله :
وَما يَكُونُ
جائزا
لَنا
بحكم العقل السّليم
أَنْ نَعُودَ فِيها
ونتديّن بها
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
ضلالنا وخزينا ، ولا يشاء ذلك أبدا ؛ لأنّه
رَبُّنا
اللّطيف بنا وبجميع عباده ، لا يريد لنا إلّا ما يقرّبنا إليه ، ويؤهّلنا لفضله ورحمته . وفيه الاعتراف بعجز نفسه عن تحصيل كلّ خير ، وأنّ الهداية والضّلالة بتوفيق اللّه وخذلانه . ثمّ لمّا كان فضله متوقّفا على القابليّة والاستعداد ، وإثابته وتعذيبه على الإيمان والكفر ، والطاعة والعصيان ، وكلّها منوطة بعلمه بحقائق الأشياء وضمائر عباده وأحوالهم وأعمالهم ، أعلن بسعة علمه بقوله :
وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ
من القابليّات والضمائر والظّواهر
عِلْماً
« 1 » لا يعزب عنه مثقال ذرّة . ثمّ لما وعده الكفّار أن يخرجوه من بلدهم ، أو يعيدوه في ملّتهم ، أظهر اعتماده على اللّه بقوله :
رَبَّنَا افْتَحْ
واحكم
بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ
وبما نستحقّه
وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ
وأعدل الحاكمين تحلّ المعضلات وتفصل الأمور
وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ
تثبيطا للنّاس عن اتّباعه : أيّها النّاس
لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً
وأمتثلتم ما أمركم به من الإيمان بتوحيد اللّه ، وترك البخس
إِنَّكُمْ إِذاً
ألبتّة
لَخاسِرُونَ
ومتضرّرون في دنياكم لفوات نفع البخس عنكم ، وفي دينكم لترككم ما كان عليه آباؤكم .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 91 إلى 93 ]

فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ ( 91 ) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ ( 92 ) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ ( 93 )
هامش
( 1 ) . لم يرد في النسخة تفسير قوله تعالى :عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا.
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 629 | الشيخ محمد النهاوندي