فلمّا بالغوا في الضّلال والإضلال استحقّوا عذاب الاستئصال
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ
والزلزلة الشّديدة الحاصلة من الصّيحة . عن ابن عبّاس رضى اللّه عنه : رجفت بهم الأرض وأصابهم حرّ شديد ، فرفعت لهم سحابة فخرجوا إليها يطلبون الرّوح منها ، فلمّا كانوا تحتها سالت عليهم بالعذاب ومعه صيحة جبرئيل « 1 » فأحاط بهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم
فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ
وبلد أمنهم
جاثِمِينَ
خامدين ساكنين لا حراك لهم .
عن الصادق عليه السّلام : « بعث اللّه عليهم صيحة واحدة فماتوا » « 2 » .
ثمّ بيّن اللّه تعالى أن جثومهم كان على قولهم :
لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ
« 3 » بقوله :
الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً
وهدّدوه بأن يخرجوه من القرية ، أخرجهم اللّه منها بالإهلاك فصاروا
كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا
ولم يقيموا بها مع قوّتهم وشوكتهم ، فهم المخرجون منها بحيث أضمحلّت آثارهم منها دون شعيب .
ثمّ ردّ اللّه عليهم قولهم :
لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً
« 4 » بقوله :
الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ
دنيا وآخرة ، لا الّذين اتّبعوا شعيبا
فَتَوَلَّى
وأعرض
عَنْهُمْ
شعيب بعد هلاكهم . وقيل : قبل ذلك .
وَقالَ يا قَوْمِ
واللّه
لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ
وأدّيت إليكم
رِسالاتِ رَبِّي
بأوفى بيان ، بحيث لم يبق لكم العذر في ترك الإيمان ، فلم تصدّقوني
وَنَصَحْتُ لَكُمْ
أبلغ نصح ، فلم تقبلوا منّي ، وأنذرتكم من سوء عاقبة الكفر والعصيان ، فلم تعتنوا بقولي
فَكَيْفَ آسى
وأتحزّن بعد ذلك كلّه
عَلى
هلاك
قَوْمِ
استحقّوا ما نزل عليهم من عذاب الاستئصال لكونهم
كافِرِينَ
باللّه ورسله ودار الجزاء .
قيل : إنّه اشتدّ حزنه على قومه لكثرتهم ، وقرابتهم ، وطول الألفة « 5 » بهم ، وتوقّعه إجابتهم إلى قبول قوله « 6 » .
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 94 إلى 95 ]
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ( 94 ) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 95 )
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 3 : 203 .
( 2 ) . مجمع البيان 4 : 693 ، تفسير الصافي 2 : 220 .
( 3 ) . الأعراف : 7 / 88 .
( 4 ) . الأعراف : 7 / 90 .
( 5 ) . في النسخة : الفتنة .
( 6 ) . تفسير الرازي 14 : 183 .