ثمّ لمّا حكى اللّه تعالى مخاطبة أهل الجنّة لأهل النّار ، وكان مجال توهّم القرب بينهما ، وتلذّذ أهل النّار برائحة الجنّة ونعمها ، وتأذّي أهل الجنّة من نتن الجحيم وحرّها ، دفع التوهّم بقوله :
وَبَيْنَهُما حِجابٌ
وسور كسور المدينة
وَعَلَى الْأَعْرافِ
وأعالي ذلك السّور - كما عن ابن عبّاس « 1 » - أو المأمورون على تعريف الفريقين
رِجالٌ
من أشراف أهل الإيمان والطّاعة قيل : هم الأنبياء يجلسهم اللّه على أعالي ذلك السّور تميّزا لهم عن سائر أهل القيامة ، وإظهارا لشرفهم وعلوّ مرتبتهم ، وليكونوا مشرفين على أهل الجنّة والنّار ، مطّلعين على أحوالهم ومقدار ثوابهم وعقابهم « 2 » ، وقيل : هم الشّهداء « 3 »
يَعْرِفُونَ كُلًّا
من أهل الجنّة والنّار
بِسِيماهُمْ
وعلامتهم التي أعلمهم اللّه بها .
في معنى الأعراف والمراد من أصحابه
عن الصادق عليه السّلام : « الأعراف : كثبان « 4 » بين الجنّة والنّار ، والرجال : الأئمّة » « 5 » .
وعن أمير المؤمنين عليه السّلام : « نحن نوقف يوم القيامة بين الجنّة والنّار ، فمن ينصرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنّة ، ومن أبغضنا عرفناه بسيماه فأدخلناه النّار » « 6 » .
وعنه عليه السّلام ، في هذه الآية : « نحن على الأعراف نعرف أنصارنا بسيماهم ، ونحن الأعراف الّذين لا يعرف اللّه عزّ وجلّ إلّا بسبيل معرفتنا ، ونحن الأعراف يوقفنا اللّه عزّ وجلّ يوم القيامة على الصّراط ، فلا يدخل الجنّة إلّا من عرفنا وعرفناه ، ولا يدخل النّار إلّا من أنكرنا وأنكرناه » « 7 » .
وعن سلمان رضى اللّه عنه ، قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقول لعليّ عليه السّلام أكثر من عشر مرات : « يا عليّ ، إنّك والأوصياء من بعدك أعراف بين الجنّة والنّار ، ولا يدخل الجنّة إلّا من عرفكم وعرفتموه ، ولا يدخل النّار إلّا من أنكركم وأنكرتموه » « 8 » . إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة بهذا المضمون ، أو ما يقرب منه .
وفي بعضها : « الرّجال هم الأئمّة من آل محمّد ، والأعراف صراط بين الجنّة والنّار » « 9 » .
وعن الباقر عليه السّلام أنّه سئل عن أصحاب الأعراف ، فقال : « إنّهم قوم استوت حسناتهم وسيّئاتهم ، فقصرت بهم الأعمال » . الخبر « 10 » .
وعن الصادق عليه السّلام أنّه سئل عنهم ، فقال : « قوم استوت حسناتهم وسيّئاتهم ، فإن أدخلهم النّار
هامش
( 1 و 2 و 3 ) . تفسير الرازي 14 : 87 .
( 4 ) . الكثبان ، جمع الكثيب : هو الرمل المجتمع المحدودب .
( 5 و 6 ) . مجمع البيان 4 : 653 ، تفسير الصافي 2 : 198 .
( 7 ) . الكافي 1 : 141 / 9 ، تفسير الصافي 2 : 198 .
( 8 ) . تفسير العياشي 2 : 148 / 1586 ، تفسير الصافي 2 : 199 .
( 9 ) . بصائر الدرجات : 516 / 5 ، تفسير الصافي 2 : 199 .
( 10 ) . تفسير الصافي 2 : 199 .